أن يكون بذلك تائبا ) 46 وأيد هذا التراقى في جامع السعادات 47 وإذا صح عند الصوفية القول بالتدرج في الذنوب ، وبالتوبة عن ذنب دون ذنب فماذا يقولون فيمن تاب ثم عاد إلى ذنبه ، وهل يشترط التأبيد في التوبة ؟ أجاب صاحب كشف المحجوب بقوله : ( ليس التوبة شرط التأبيد من بعد أن يصح العزم على عدم الرجوع إلى المعصية ، وإذا وقعت للتائب فترة وعاد إلى المعصية من غير أن يصح عزمه على الرجوع يكون قد أدرك حكم التوبة وثوابها عن الأيام التي مرت ) وكثير منهم عقد العزم على التوبة ثم عاد ثم رجع إلى النصوح ، وأخص أبا عمرو إسماعيل بن نجيم بن أحمد السلمى جد أبى عبد الرحمن السلمى لأمه المتوفى 48 ( 366 ه ) ، وبين العلامة التراقى أن التائب قد يتوب توبة نصوحا ، وقد يتوب عن أمهات المعاصي ، ثم يرجع إليها أو إلى غيرها ، وكلما عاد لام نفسه وندم وتأسف وجدد عزمه على ألا يعود إلى مثله ويشمر للإحتراز عن أسبابه التي تؤدى إليه ومن يفعل ذلك هو صاحب النفس اللوامة ، وأمثال هؤلاء لا نؤيسهم من أحوالهم لكن نأخذ بأيديهم 49 وذلك لأن ( المؤمن كالسنبلة يفئ أحيانا ويميل أحيانا ) كما جاء في الحديث ، والعائدون إلى المعاصي أصناف غير ما سلف ، ومنهم من يفعل الذنب عن غفلة ثم يتوب ، أو يفعله مع غلبة شهوة ثم يرجع ، ومنهم المصر على الذنب المقهور بشهوته ، ومهما كان فالشيخ الحاذق ، وطبيب النفوس النطاسى والنابه لا يغلق باب التوبة على أحد . وكذا العالم ( حق العالم هو الذي لا يؤيس الخلق من درجات السعادات بما يتفق لهم من الفترات ، ومقاومة السيئات ) 50 وإن تعددت أشكالها أو اختلفت المقاصد والبواعث عليها ، والنصوص تؤكد ذلك وتقوية .
ومع أن الصوفية رأوا ما سلف من التدرج ، وترك البعض وصولا إلى ترك الذنوب كلها إلا أنهم بينوا بعد كل هذا أن المريد الصادق هو صاحب التوبة النصوح ، وأنه لا ينخرط في سلك القوم إلا بتوبة تودع الذنب وهواه ، وتستأصل من
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 184
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص١٨٤