الآخر ، ومع أن الفورية قد تكون متحققة في الفرائض الخمسة للمكلف القادر المالك المستطيع الخالي من الموانع إلا أنه لو ترك بعضها متكاسلا لا ترد عليه أعماله التي قام بها من طاعة واجبة أو مندوبة ، والرحيم - جل جلاله - لا ينظر إلى نعمته على العبد ، وقدرة المخلوق على الفعل فيرد عليه ما فعله لكونه تاركا لبعض المأمورات بل يستحثه ويطالبه أن يقلع عما هو فيه وينذره بعاقبة تقصيره كي يستكمل أركان التكليف وشرائطه ، ولو عاملنا اللّه بمعاملتنا لأنفسنا لرفض طاعة نظير ترك أخرى مثلما نفعل نحن مع من أساء إلينا أو خالفنا ، فربما يحسن الواحد إلينا تارة ويسئ أخرى فنرد إحسانه لإساءته ، وأحيانا ما نرفض الكثير للإساءة القليلة هذا في الطاعات ، وأما الذنوب والمخالفات فإن معاملة اللّه فيها لا تتغير كذلك ، فنراه - جل جلاله - يلزم العبيد ترك الذنوب على الفور ، ويقضى بوجوب التوبة وجوبا فوريا ، وعلى عموم الأشخاص وفي كل الأحوال غير الاضطرارية ، وهو حكم أزلي لا يتبدل ، فإذا بلغ الكافر وجبت توبته من الكفر ، وإذا بلغ العاصي وجب رجوعه وإقلاعه عن المعصية ، وكذا الغافل ، وذلك لارتباط الفورية في الترك بالإيمان الواجب فورا ، والطاعات أداء والذنوب تركا من مقتضيات الإيمان ، وأيضا فإن العلم بضرر الذنوب يكون باعثا على تركها فمن لم يتركها ( فهو فاقد لهذا الجزء من الإيمان ) 44 والإيمان ليس بابا واحدا بل نيف وسبعون بابا أعلاها لا إله إلا اللّه وأدناها إماطة الأذى عن الطريق .
والصوفية مع تأكيدهم على فورية التوبة لجميع العاصين ، وأن ذلك مستطاع للكل ، لأن الترك من المقدورات التي لا يعجز عنها أحد بخلاف الفعل فتنتابه القدرة والعجز إلا أنهم بحكم كونهم تربويين علماء نفس من الدرجة الأولى يجوزون التدرج في الترك تذليلا لشهوة النفس ، وتدريبا لها على أمر اعتادته ووقعت فيه ، فالفطام مراحل ، كما أن الطاعات مدارج ، يقول سيدي أحمد ابن زروق في
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 182
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص١٨٢