تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
باطن لا يثبت فلا يرد إلا بالرجوع ورد المظالم ، ومن الملاحظ أن القران الكريم قد أفسح المجال لبيان الجو المحيط بالتوبة المقبولة على نحو ما ذكرنا ، أما السنة فإنها اهتمت بالترغيب في التوبة والحث عليها . وكما ثبت وجوب التوبة بالكتاب والسنة فقد ثبت بالإجماع المبنى عليهما أولا ، وبالإضافة إليهما فإنه يقوم كذلك على أمرين : الأول أشار إليه اليافعي بقوله : ( وإنما ثبت الوجوب لأن التوبة تدعو إليها حاجة الناس على العموم ) 42 ولم يفصل تلك الحاجة ، وهل هي دنيوية أو أخروية ؟ ويمكننا أن نترك الحاجة الأخروية لتفصيل الغزالي القادم ونحصر عبارة اليافعي في الحاجة الدنيوية ولو كان تدخلا منا في مقصوده ، ونقول : إن الحاجة الدنيوية قاضية بضرورة التوبة ، لأن الناس في اجتماعهم يحتاجون إليها ، وذلك لأن الذنوب سواء كانت تخص صاحبها وتقصتر عليه وحده ، ولا يتعدى ضررها ذاته ، أو كانت متعدية بالضرر إلى الغير دينا كالغيبة والنميمة ، والحسد ، أو مالا كالسرقة ، أو دما كالقتل وقطع الأعضاء ، أو عرضا كالزنا ومقدماته ، أو فسادا بين الخلق ، سواء كان هذا أو ذاك فإن الناس جميعا من جهة الدين والنفس والمال والسيرة والعرض محتاجون إلى التوبة ليكف كل ضرره وإيذاءه عن الغير فيسلموا ، ولأنه حتى ولو كان ضرر الذنب مقصورا على صاحبه فإن العاصي يفسد نفسا وخلقا ونية فلا يؤمن بعد ذلك عدم تعدى فساده إلى الغير ، بعكس ما لو صلح الفرد وطاب قلبا ونفسا طاب الجميع ، وإذا تاب العبد من جناياته مع نفسه سلم الغير من إيذاءه وأضراره فأمن كل على نفسه وما يملك ، وساد الأمن وانتشرت العدالة . والأمر الثاني الذي انبنى عليه وجوب التوبة بالإجماع وقد فصله الغزالي فهو ما يتعلق بالسعادة الأخروية ، فكل فرد يدرك بالدليل أو بالتقليد أو بالتأمل الجمع بين وجوب التوبة وبين السعادة الأبدية ، وذلك من جهة أن السعادة والنجاة لا يتوصل إليهما إلا بفعل أو ترك 43 ، فعل ما هو
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 180 | محمود حمدي زقزوق