الذين صغت قلوبهم وتفتحت أفئدتهم لزواجر الحق وداعيه ، وهم فيما بعد أهل لأن تسمع قلوبهم في تجليتها حديث الحق وتكليمه ، إنها سمعت في البداية زاجره ، فلما صغت صارت محلا لأسراره ، وموئلا لحديثه وأنواره .
هكذا جاءت تلك المعاني في جو كلمة التوبة بمشتقاتها ، على حد تعبير الحكيم الترمذي 37 معلقا على آية الشراء في التوبة ، ألا وهي قوله :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ
( التوبة : 111 ) ويزداد العطاء مع زيادة الإنابة عن ذنب أو غفلة .
هذا هو جو التوبة في القرآن بحسب ظاهر النصوص وأما السنة فكثير ما جاء في الحض عليها ، من ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « واللّه إني لاستغفر اللّه وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة » وفي رواية :
« إني لاستغفر اللّه وأتوب إليه كل يوم مائة مرة » وكذا رواه النسائي والترمذي وروى مسلم عن الأغوبن يسار المزنى قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا أيها الناس توبوا إلى اللّه واستغفروه فإني أتوب في اليوم مائة مرة » وفي هذا ( تحريض للأمة على التوبة والاستغفار فإنه صلى اللّه عليه وسلم مع كونه معصوما ، وكونه خير الخلائق يستغفر ويتوب سبعين مرة واستغفاره اللّه أكبر ليس من الذنب ) 38 بل من خلاف الأولى وروى البخاري عن أنس بن مالك خادم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اللّه أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة » متفق عليه ، وروى مسلم عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها » وفسر العلماء بسط اليد بالطلب ، أو هو عبارة عن الجود والتنزه عن المنع ، أو عن رحمة اللّه وكثرة تجاوزه عن الذنوب ، أو هو مثل يفهم منه قبول التوبة واستدامة اللطف والرحمة ، وهو تنزل عن مقتض الغنى القاهر إلى مقتضى اللطيف الرؤوف الغافر ، أو البسط كناية عن قبول التوبة 39 على خلاف في الشرح أو التأويل .