تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
الاختيار ذاته ، بل لقد صرح بأن ( العبد مضطر في الاختيار الذي له ) وكل مرحلة من مراحل الفعل داخلة في نطاق القدرة والخلق الإلهى ، فالعلم بالشيء فعله وانجزام الإرادة خلقه ، وكذا الحركة بعدهما من أفعاله ، فلا حركة لليد بدون حياة ، ولا حياة بدون إرادة لا إرادة بدون ميل ، ولا ميل بدون علم وكلها مترتبة ترتب سنة من سنن اللّه ، وخلق من خلقه ، وكذا بقال في التوبة بأنها لا تقع إلا بعزيمة ولا عزيمة بدون إرادة ولا إرادة بدون علم يتبعه ميل ، والكل فعل اللّه وخلقه 33 . والقرطبي يقول في تفسير قوله تعالى :
إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
( البقرة : 37 ) ليس لأحد قدرة على خلق التوبة لأن اللّه هو المتفرد بخلق الأعمال خلافا للمعتزلة ) 34 .

حجية الدليل وفرضية الحكم :

جاء في رياض الصالحين للإمام النووي ، ما يلي ( قال العلماء : التوبة واجبة من كل ذنب ) ووجوبها ( مجمع عليه لا فرق بين الصغائر والكبائر الظاهرة والباطنة كالحقد والحسد ) 35 وشدد الصوفية على ذلك بوجه خاص لأنهم لا ينتظرون من سلوكهم ، ومن حياتهم نجاة في الآخرة فحسب بل يتطلعون إلى صلات ربانية وإلى علاقة الإنس باللّه تتوالى عليهم فيها الواردات وتهطل عليهم المنن واللطائف وتتنزل على قلوبهم الفيوضات ، إنهم يعمدون إلى التصفية والتجلية رجاء في كشف الحجب وتطلعا إلى المعارف والمشاهدات . ونظرا لأن الذنوب مهما صغرت حتى النظرة تحجب العبد عن ربه ، وتحول بينه وبين حلاوة الطاعة ، ولذة العبادة ، فلا غرو وحالهم هذا أن يجمعوا على أن التوبة فرض عين 36 مدللين على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع . أما القران فقد جاءت مادة تاب بمشتقاتها في ( 108 ) موضعا ، منها تتحدث عن توبة اللّه على عبيده التائبين ، وقبوله لتوبتهم ، أو عدم قبوله ، وتوفيقه لهم في التوبة ، ووصفه بكونه كثير التوب عنهم ، ومن ذلك قوله جل شأنه :
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 176 | محمود حمدي زقزوق