يقظة من اللّه تقع في القلب فيتذكر العبد تفريطه ) 29 وصاغ الحكيم الترمذي بداية هذا الاتجاه وتسلسله فقال : ( إن للّه عبادا نظر إليهم بالرحمة ، فمن عليهم بالتوبة ، وفتح أبصار قلوبهم فتمثل قبح المعاصي في صدورهم حتى نظروا إلى سوء ما عاملوا اللّه به ، وانكشف لهم العاقبة عن مسكن العاصين فبادروا بالنزوع عنها فقوى اللّه عزمهم وأيدهم بتوفيقه ) 30 .
والنص ملئ بالألفاظ المسنودة إلى منح اللّه وعطاياه ، ففيه النظر بالرحمة وفتح الأبصار ، والتقوية للعزم ، والتأييد بالتوفيق ، وتعنى أن مواهب اللّه تتوالى على العبد في كل خطوة بداية ووسطا ونهاية حتى يتحقق في مقام التوبة . فيصفو القلب من نكت الذنوب السوداء ، ويتخلص من سابق عهده بالترك ، ورد المظالم ، ويكثر الطاعات ، ويقضى الفوائت ، فينتقل بعد ذلك إلى منح ومواهب أخرى تتوارد على قلبه من ربه بعد صقل قلبه .
وعلق ابن عطية على قوله تعالى :
إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
( البقرة : 37 ) قائلا : ( وفائدته أن التوبة على العبد إنما هي نعمة من اللّه لا من العبد وحده ) 31 أما الموقف الثاني فيغلب عليه الطابع الكسبى ، وأن أسباب التوبة ترجع إلى جهدا الإنسان وفهمه وتدبره في أمر نفسه وحاله ومصيره ، وما سوف يجد ، وفي تأمل صلته باللّه وقلة حياته وجراءته مع ربه ويعتمد هذا الاتجاه على العلم والفهم .
وبعض أنصار هذا الفريق يقصرون العلم على فهم الإنسان العاصي لحاله . وما يسئ إليه من سلوك في اجله وعاجله .
وبعضهم كالغزالى يتوسع في العلم فيجعله شاملا للإيمان باللّه ورسوله . وبما نزل عليه من وحى . وبما أثر عنه صلى اللّه عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير مبينين أن هذا الإيمان يدعو صاحبه إلى أن للسعادة سببا هو الطاعة ، وللشقاوة سببا هي المعصية ، وقد فصلت الآيات والأحاديث ذلك ، أدق تفصيل ، كما اشتملت على الترغيب في الطاعات ، والتحذير من المعاصي والذنوب واتباع الهوى ، وعلى بيان خطر المخالفات على النفس والمصير علة