الأمل في التوبة يبعده عن الإنجاز لها ، كما أن سعة الرحمة الإلهية تجعله يسوف الرجوع إليه سبحانه فما الأسباب التي غيرت من طباعه وألفته وتلذذه وحفزته على التوبة حفزا ؟
للإجابة على هذا السؤال وقف رجال الطريق منه موقفين : موقف يجعل السبب الدافع على التوبة ربانيا ، فاللّه هو الذي أيقظ قلب العبد بزاجر من عنده فلما أصغى القلب إليه سمعا أو تجليا أنتبه فأخذ في طريق التوبة ، وإلى هذا أشار أبو حفص الحداد عندما سئل عن التوبة فقال ( ليس للعبد في التوبة شيء لأن التوبة إليه لا منه ) 24 واستدل بقوله سبحانه :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا
( التوبة : 118 ) .
وقال رجل لرابعة العدوية إنه قد أكثر من الذنوب فهل لو تاب تاب اللّه عليه فقالت : ( لا بل لو تاب اللّه عليك لتبت ) 25 وأيد الهجويرى هذا الاتجاه مبينا أن أصل التوبة كونها من زواجر الحق ، ومرة أخرى يقول : إنها تأييد رباني 26 فالبداية عند هؤلاء وغيرهم بتوفيق وإيقاظ من اللّه لقلب العاصي ، انتبه على أثره فندم ، ثم أخذ سبيله راجعا إلى ربه ، وحتى لو كانت هناك حادثة وقعت ، أو واعظ وعظ ، أو نعمة أسبغت فاستفاق على أثرها العاصي فإن الأثر الذي ألقته على القلب إنما في نظرهم لكون الحق تجلى على القلب ساعته ، أو نظر إلى العبد في توه فانزجر متأثرا بالحادثة أو الموعظة ، أو النعمة . وقد كان قبل تدارك اللّه له بالرحمة والنظرة لا يعبأ بمثل تلك الوقائع ولا يصغى قلبه لها ، فالسبب المؤثر هو منة اللّه على العبد وليس بغريب بعد ذلك أن يصرح أنصار هذا الاتجاه إلى أن التوبة هبة لا كسب ، وبنوا ذلك طبقا لأصول طريقهم على أن زاجر الحق الذي أحدث الإفاقة حال ( والحال موهبة من اللّه على ما تقرر من أن الأحوال مواهب ) 27 . حسبما ذكر السهر وردى في عوارفه ، وعلق الهجويرى على قول أبى حفص الحداد السابق قائلا : ( وبهذا . . . يجب ألا تكون التوبة من كسب العبد لأنها موهبة من مواهب الحق سبحانه وهذا القول يتعلق بمذهب الجنيد ) 28 وشارك الدرينى في هذا الموقف بقوله : ( التوبة