تبدأ من حيث انتهى المسلك الأول " ويأتي ذلك ممثلا في قول الجنيد : ( إن التوبة أن تنسى ذنبك ) . يقول هذا أمام أستاذه السرى السقطي . مع أن الأستاذ قال : ( التوبة ألا تنسى ذنبك ) .
وعلل المغايرة بأن العبد قبل التوبة كان في حال الجفاء فنقل بعدها إلى حال الوفاء ، وما دام الأمر كذلك فذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء 20 ، وحاول الهجويرى مساندة الجنيد في تعليله فقال :
( إن ذكر الوحشة في محل القرب يكون وحشة . ويلزم للتائب ألا يذكر نفسه فكيف يذكر ذنبه ) واعتبر ذكر الذنب ذنب 21 مخالفا بذلك السرى في قوله السابق ، ثم إنه في نسيان الذنب تحقق بتوبة أهل الخصوص والمتحققين ( الذين تابوا عن كل شئ سوى اللّه ) كما قال أبو الحسين النوري . وأيضا فإنهم لما غلب على قلوبهم من عظمة اللّه وشهود جلاله أو جماله نسوا في جنبه كل شيء 22 سبق أو صاحب .
فأنت ترى إن لسان أهل المعرفة والواجدين وخصوص الخصوص قد ارتقى في فهم التوبة عما جاء على لسانهم في المسلك الأول ، وإنما كان كذلك لأن أقوالهم في مسلك العلم كان ( لبيان توبة المريدين والمتعرضين والطالبين والقاصدين وهم الذين تارة لهم وتارة عليهم ) 23 ، وإما نسيان الذنب والتوبة عن كل غير وسوى مع الشهود فحال الخواص والعارفين ، والتعريفات في المسلك الأول للبادئين ، وفي الثاني لأرباب النهايات ، والأول لأرباب التقلب ، والثاني لأهل التمكين .
وأخيرا فأقوال المشايخ المتعلقة بحقيقة التوبة علما أو ذوقا كثيرة تتنوع بحسب علو حالهم ، وتعدد مشاربهم وأذواقهم ، والعبرة في النهاية تمكن في طلب الحقيقة سلوكا أو مشربا ، ولا عبرة بسوق الألفاظ المجردة التي تصور التعريفات بالحد .
الأسباب والدواعي :
العبد سائر في غيه ، متلذذ بالمعصية مصر عليها مستبعد للعقاب زمنا ، غير وجل منه لكونه غيبا ، والشهوات مسيطرة وآخذة بمخنق الإنسان ، وطول