السالكين ، وأول مقام من مقامات الطالبين 6 ويعتبرها الهجويرى كذلك ، ويشبهها بالطهارة في كونها أول درجات المتقربين إلى اللّه بالعبادة ، لكن التوبة طهارة باطنية ، وما يلزم للعبادة طهارة ظاهرية 7 ، ويركز السهروردي على أصالتها لكل مقام وحال ، ثم يقول : ( وهي بمثابة الأرض للبناء فمن لا أرض له لا بناء له ، ومن لا توبة له لا حال له ولا مقام له ) 8 .
ونلحظ تعبيرين في أقوال الصوفية الدالة على بداية التوبة .
أولها : يرى أنها أول منزل .
وثانيها : يصرح بأنها أول مقام ، والفرق كبير بينهما فكونها أول منزل يتجه إلى توبة المريد في بداية سلوكه قبل أن يختار الشيخ ، وقبل أن يأخذ العهد ويلبس الخرقة الخاصة بشيخه ، فلا يقبل عندهم إلا بالإقلاع عن الذنب والعزم على الترك ، أما من ينطق بكونها أول مقام أو حال فيقصد توبة الطالبين أو المتفرغين إلى اللّه ، والمتجهين نحوه اتجاها خاصا ، فيظل قائما في التوبة حتى يتحقق بها ، وبما تشتمل عليه من مقامات أخرى ، ولذلك جاءت عبارة القشيري جامعة بين التوبتين :
توبة البادئين بداية أولية ، والأخرى الخاصة بالمنقطعين والمتجردين ، والأولى من الذنوب ، والثانية من الغفلات والحجب ، والأولى تشبه الطهارة الفرضية ، والثانية وضوء على وضوء لزيادة النور والرغبة في شدة للطهارة .
جولة في حقيقة التوبة :
التوبة من الكلمات القلائل في اللغة العربية التي انصرفت بكل اشتقاقاتها إلى معنى واحد لا تتعداه ، وهي تحدد تحديدا قاطعا علاقة بين طرفين :
أحدهما : أعلى وهو اللّه .
والآخر : أدنى وهو العبد ، في فعل معين صدر من الأدنى يسئ إلى علاقته بالأعلى ويغضبه ، بحيث إذا استعملت الكلمة مع العبد اتجهت إلى الذنب رجوعا عنه ، وإذا سيقت مع الحق كانت عفوا منه عن المذنب ، فيقال تاب إلى اللّه توبة .
وتوبا ، ومتابا ، وتاب رجع عن المعصية ،