للّه في قوله سبحانه :
قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ
( سبأ : 46 ) ، تكون بسبب وبلا سبب . أما التي بلا سبب فهي نفحة من نفحات الرحمان وجذبة من جذباته ، وقد تقع تلك الحالة جريانا على اللسان في لحظة من اللحظات حتى ولو كان صاحبها غافلا مثلما وقع لتحفة العابدة حين غدت يوما وهي تضرب بعودها وكانت ما تزال في المعصية غارقة قالت :
خاطبني الحق من جنابى * فكان وعظى على لساني
أجبت لما دعيت طوعا * ملبيا للذي دعاني
فتنبهت وتابت من وقتها ، لقد تحولت النفس فجأة تحت تأثير الدافع الخفي الذي حول صياغة الشعر من تعلق بمحبوب فان إلى المحبوب الأقدس جل جلاله ، وما كان في حسبان تحفة أن تفعل أو تقول ذلك لكن القذف ألقى في روعها فنطقت بمراد المحبوب وهي متلبسة في حال الجفوة والبعد ، وذابت إرادة الهوى الشهوانى في إرادة الجذب الرباني ، ولم يستطع المقهور مخالفة القاهر فنطقت العابدة بما أراد المعبود .
وقد يكون المثير للانتباه تأملا باطنيا من الشخص ذاته ، وهو الذي اتجه إليه القشيري ، فليس ثم دافع أجنبي ، على أن السهروردي اعتبر الزاجر الأول موهبة وتوفيقا من اللّه ، ونداء داخليا ، وكثيرا ما يكون السبب خارجيا متمثلا في وعظ أو سماع آية أو حديث ، أو قوة حكيمة ينتبه على أثرها المريد فيتوب كما حدث لشقيق البلخي ، والفضيل بين عياض والشبلي ، ومحمد بن عيس الوزير 4 وغيرهم .
وأيا ما كان الانتباه بلا سبب فإن تحركا داخليا يتم يقذف بصاحبه إلى مرفأ السلامة في التوبة ، ومن هذا الباب يدخل العبد إلى ساحة الرحمات الربانية ، ومنها إلى درجات القرب الإلهى ، وإن كنت أقول أن تلك الدوافع النفسية المشار إليها لا تنتهى عند البدايات بل ينبغي أن تستمر معه في سائر أحواله ، لأنها إذا