( لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من فاتحة الكتاب ) الذي ذكرناه آنفا بتخريجه .
ولأنه مجال تحصيل هذا القدر من التفسير الظاهر فلا مناص من قبول التفسير الباطن الإشارى .
وما نقله الإمام الغزالي عن بعض العلماء من أنه قال ( لكل آية ستون ألف فهم ، وما بقي من فهمها أكثر ) 32 .
وكذلك ما نقله الإمام الزركشي عن القاضي أبى بكر بن العربي - من كتابه " قانون التأويل " - أن علوم القرآن خمسون علما وأربعمائة وسبعة آلاف علم وسبعون ألف علم على عدد كلم القرآن مضروبه في أربعة ؛ إذ لكل كلمة ظاهر وباطن وحد ومطلع ! ! ) 33 .
فمدلول هذا كله لا يمكن أن يتحصل من مجرد التفسير الظاهر ، فلابد من التفسير الإشارى .
ثانيا : إن التفسير الإشارى حتمي الوجود ، للوفاء بحق الخواص من طبقات الأمة ؛ فقد روى عن الإمام جعفر الصادق رضى اللّه تعالى عنه أنه قال ( كتاب اللّه على أربعة أشياء : العبارة والإشارة واللطائف والحقائق ) ، فالعبارة للعوام ، والإشارة للخواص ، واللطائف للأولياء ، والحقائق للأنبياء ) 34 . وتقسيم هذه المراتب مستنبط من مدلول قوله تعالى :
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ
( المجادلة : 11 ) ومن قوله تعالى :
لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
( النساء : 83 ) .
وثالثا : إن التفسير الإشارى ضرورة لتجدّد واستمرارية الخطاب القرآني المتعلق بكل ما انتهى زمنه مثل قصص الأنبياء السابقين مع أممهم الغابرة .
فإذا كان التفسير الظاهر يرى أنها قصص أنبياء قد انتهت بانتهاء أممهم وأن آياتها تقرأ الآن لمجرد العظة والاعتبار فحسب . فإن التفسير الإشارى بوجوهه الرمزية يجعل الخطاب بها ممتدا وقائما موجها إلى الإنسان في كل عصر ، ترى ذلك حيث يرمزون فيها بموسى للقلب ، وكذا بفرعون للنفس .
وهكذا يكون القرآن الكريم وكأنه في حالة تجدد نزول لم ينته الخطاب به بانتهاء أزمنة أحداثه بل هو فوق الزمان والمكان باعتباره كلام اللّه تعالى وصفته القائمة بذاته ، ومن ثم تظل صفة الكلام قائمة غير معطلة ، لم تنته بنزول الكتب السماوية ، فما زال الحق تعالى متكلما أبدا 35 لا تنفد كلماته جل