مقدس ، لا يمكن أن يستقيم فهمه إلا بآلية التأويل ، تلك الآلية التي تفرضها فرضا طبيعة اللغة العربية بوجه خاص .
أضف إلى هذا أن لغة القرآن الكريم ، التي هي من عند اللّه الحكيم ، الذي يخاطب العقل البشرى القاصر والمحدود ، تراعى تباين المتلقين للخطاب الديني ، من حيث مستوياتهم الفكرية من جهة ، كما أن هذه اللغة تتحدث ، من جهة أخرى ، عن أمور كثيرة ، ليست حسية ، لكن لا مناص من استخدام اللغة الحسية في مخاطبة المبعوث إليهم الرسول ، رحمة لهم من جهة رب العالمين .
إن العقل البشرى بوضعه هذا عاجز عن أن " يحيط علما " بفهم القرآن على حقيقته ، ومن ثم يصعب عليه أن يقبض على الحقائق الكبرى الواردة في القرآن ، سواء ما يتعلق بها وبالإنسان وبالكون ككل .
ولعل هذا كان الدافع لما صرح به " الكوثري " بالقول : إن من أبى التأويل في القرآن والسنة فهو متحجر الدماغ جامد خامد ، ومن توخى التأويل في الجميع فهو قرمطى هالك . وأهل الحق ( ! ! ) يرون الأخذ بالظاهر في محله والتعويل على التأويل في موضعه . والتأويل هو بيان مآل ما يحتاج إلى النذير من القول ، وتبين ما يؤول إليه الكلام " 25 .
إن التأويل أضحى أمرا ضروريا لأنه " يحقق الوئام النظري بين الأنا والعالم ، والاتساق بين الذات العارفة وموضوع المعرفة . الذات تريد المعرفة بحواسها وذهنها والواقع عصّى عليها بعلاماته ودلالاته ، هنا يأتي التأويل ليبنى الجسور المعرفية بين الذات والموضوع حتى يصبح العالم مفهوما تستطيع الذات أن تعيش فيه وتتعامل معه " 26 .
بعد أن ذكر الغزالي في رسالته " قانون التأويل " الحاجة الملحة إلى آلية التأويل في فهم النص ، تحدث عن خمس فئات من المؤوّلين . يقول الغزالي : " بين المعقول والمنقول تصادم في أول النظر وظاهر الفكر . والخائضون فيه تحزبوا إلى مفرط بتجريد النظر إلى المنقول ، وإلى مفرط بتجريد النظر إلى المعقول ، وإلى متوسط طمع في الجمع والتلفيق .
والمتوسطون انقسموا إلى من جعل المعقول أصلا والمنقول تابعا ، فلم تشتد عنايتهم بالبحث عنه ، وإلى من جعل كل واحد أصلا ويسعى في التأليف والتوفيق بينهما .
فهم إذن خمس فرق :
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 125
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص١٢٥