" أودع فيها لطائف أسراره وأنواره لاستبصار ما ضمنه من دقيق إشاراته وخفى رموزه بما لوح لأسرارهم من مكنوناته ، فوقفوا بما خصوا به من أنوار الغيب على ما استتر عن أغيارهم " 32 .
ولقد ذكر السلمى في تفسيره ، نقلا عن جعفر الصادق ، القول : " كتاب اللّه على أربعة أسماء : العبادة ، والإشارة ، واللطائف ، والحقائق . فالعبادة للعوام ، والإشارة للخواص ، واللطائف للأولياء ، والحقائق للأنبياء " 33 . وقد سبق أن ذكرنا أن الوقوف عند الظاهر والسعي إلى فهمه هو فحوى " التفسير " ، أما تجاوز الظاهر إلى الباطن وفهمه والتعبير عنه بلغة رمزية هو التأويل بعينه .
على أن المرء يمكن أن يجتهد في أي فن من العلوم ويكون له في هذا الفن شأن كبير اللهم إلا في التصوف الذي هو في عرف الصوفية " اصطفاء من اللّه " : أما أن تكون مستنبطا للإشارة من العبارة فهذه خصوصية فريدة لابد أن يسبقها إجتباء إلهي . ويضيف القشيري في لطائفه " إما أن تقبل على القرآن الكريم لتستشف الجواهر من وراء الظواهر ، فهذه مسألة ينبغي أن تقترن بجهود مضنية في تصفية النفس والقلب من كل العلائق وتخليتهما عن كل الشواغل الدنية وتحليتهما بكل الأوصاف السنية " 34 .
فيما يتعلق بالحروف المقطعة في أوائل السور ، يرى القشيري أنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا اللّه . ومع هذا سمح لنفسه الاجتهاد في بعضها ، فقال - على سبيل المثال - " ألم " : الألف من اسم اللّه ، واللام تدل على اللطيف ، والميم تدل على اسم المجيد والملك .
وقيل الألف تدل على اسم اللّه ، واللام على اسم " جبريل " والميم تدل على اسم " محمد " صلى اللّه عليه وسلم . ويضيف القشيري : إن الألف من بين سائر الحروف انفردت عن أشكالها بأنها لا تتصل بحرف في الخط وسائر الحروف تتصل بها ، إلا أحرف يسيرة . فلينتبه العبد عند تأمل هذه الصفة لاحتياج الخلق بجملتهم إليه واستغنائه عن الجميع 35 .
وفي تأويله ل " بسم اللّه " يقول : الباء :
بره بأوليائه ، والسين : سره مع أصفيائه ، والميم مننه على أهل ولايته 36 . وفي موضع لاحق يقول : " وقوم عند سماع بسم اللّه تذكروا بالبراء ، براءة اللّه - سبحانه وتعالى - من كل سوء ، وبالسين سلامته سبحانه عن كل عيب ، وبالميم مجده
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 128
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص١٢٨