في هذا السياق يقول عبد الرحمن بدوي : إن عالم الأولياء ( الصوفية ) عالم رمزى خالص ابتدعته هذه الأرواح النبيلة العالية ليخلقوا للإنسان معاني جديدة على الأرض . إنهم كالشعراء يخلقون عوالم خاصة بهم يهرب إليها الإنسان ، أو بالأحرى يحيا فيها الطامحون بأبصارهم إلى ما فوق التراب يأسا من عالم الفعل والواقع ، وشحذا للهمم إلى عالم أسمى ، عالم إنساني مع ذلك .
والأولياء من أجل هذا يجذبون العلوي إلى الأرضي ، ويرفعون الأرضي إلى العلوي ، حتى يتألف من هذا المزيج الجديد عالم جديد يهيبون بالنفوس الظامئة إلى المثل العليا أن تدخل فيه ، ولو للحظات ، من حياتهم اليومية . لهذا نراهم يمجدون الإنسان في اللّه ، ويمجدون اللّه في الإنسان . إنهم يسعون إلى الباطن حينما يرون الناس عاكفين على الظاهر ، ويطلبون الحقائق بينما يطلب غيرهم الوقائع . إننا نشاهد اللامعقول يصرخ في معظم أحداث الحياة ووقائعها ، فكيف نريد منهم أن يقتصروا على العقل ، ولا ينشدوا ملكة أخرى للإدراك . . . " 6 .
لغة الصوفي إذا هي لغة رمزية ، وما دامت لغة رمزية فإن " التأويل " أمر لا مناص منه في قراءتنا لكتابات الصوفية وما فيها من شطح ، وسكر ، وقبض ، وبسط ، ومحو ، وفناء ، ومشاهدة ، ومعاينة ، وتوحد . . . الخ .
يقول القشيري " اعلم أن من المعلوم أن كل طائفة من العلماء لهم ألفاظ يستعملونها ، انفردوا بها عمن سواهم ، تواطئوا عليها لأغراض ، لهم فيها من تقريب الفهم على المخاطبين بها ، أو تسهيل على أهل تلك الصنعة في الوقوف على معانيهم بإطلاقها . وهذه الطائفة يستعملون ألفاظا ، فيما بينهم ، قصدوا بها الكشف عن معانيهم لأنفسهم والإجماع والستر على من باينهم في طريقتهم لتكون معاني ألفاظهم مستبهمة على الأجانب غيرة منهم على أسرارهم ، أن تشيع في غير أهلها ، إذ ليست حقائقهم مجموعة بنوع تكلّف أو مجلوبة بضرب تصرف ، بل هي معان أودعها اللّه تعالى قلوب قوم واستخلص لحقائقها أسرار قوم " 7 .
التأويل والتفسير :
ثمة تعريفات كثيرة للتأويل . . . وكلها تؤدى في النهاية إلى فهم واحد له . التأويل ، من حيث اللغة ، مشتق من آل إليه . . . رجع وصار . ويقال آل الشيء : رده ، وآل الرعية :