تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧

التأويل

مفهوم التجربة بالمعنى العلمي يختلف كل الاختلاف عن مفهوم " التجربة " في فضاء التصوف بوجه عام . ذلكم أن التجارب في ميدان العلم من صفاتها أنها تعمم ، وتتكرر ، لما لها من صفة " الموضوعية " حيث يتم بالضرورة التحقق من صدقها أو عدم صدقها ، أما فيما يخص الحياة الروحية فإن التجربة تبدأ من " الفرد " وتنتهى عنده ، لأنها شديدة الخصوصية ، ومن ثم فإن من صفاتها الذاتية والأساسية أنها لا يمكن أن " تعمم " حيث يستحيل التحقق من صدقها أو عدم صدقها . إن التجربة الصوفية ، أو لنقل حالة الوجد التي يحياها الصوفي ، لا تعتمد على حس أو عقل ، بل على حدس خاص . إنها حالة شعورية خالصة من المحال نقلها إلى الآخر . لهذا لا يحق لأحد أن يحكم بالصدق أو الكذب على مثل هذه الحالات الشعورية الوجدانية ، ولعل ذلك راجع إلى عدم وجود معيار أو مقياس يمكن - على ضوئه - أن نتحقق من صدق الصوفي أو عدم صدقه . علينا في هذا الصدد : إما أن نصدق الصوفي فيما يقول ويفعل ، أو لا نصدقه . على أنه لا يحق لنا أن نطالبه بإقامة " البرهان " و " الدليل " على ما يقول ، وعلى ما يعانيه ويعاينه . لقد تجاوز الصوفي مرحلة البرهان ( العقل ) ؛ ولهذا يقول أبو العلا عفيفي : " إن الناس في أمر الصوفي بين شيئين إما أن يصدّقوا ما يخبرهم به ( الصوفي ) ، أو يضربوا بكلامه عرض الحائط " 1 . ولما كانت نقطة انطلاق الصوفية هي " الحدس " ، ترتب على ذلك عجز الصوفية جميعا عن التعبير ، تعبيرا حقيقيا ، عن تجربتهم الروحية لأن اللغة ، فضلا عن أنها وعاء الفكر ، فإنها في واقع الأمر ، إما أن تعتمد على المحسوسات مباشرة ، وإما إن تستند ، في نهاية المطاف ، إلى أمور حسية . إن الصوفية جميعا لا يعترفون بالحس والعقل كمصدرين وحيدين للمعرفة يمكن الاطمئنان إليهما ، والاعتماد
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 117 | محمود حمدي زقزوق