عليهما في " ولوج الحياة النورانية الخالصة " .
ولما كان الهدف الذي يسعى إليه الصوفية جميعا هو حالة من حالات العيان المباشر ، حيث يتم المحو ، حيث الفناء ، ومن ثم البقاء ، فإن هذه الحالة لا تحدث إلا بعد تجاوز الصوفي مرحلتي الحس والبرهان ( العقل ) .
إن الصوفية يسعون إلى حالة من حالات التوحد ، سواء كان وحدة شهود ، أو وحدة وجود ، وهذه حالة من المستحيل أن يعبّر عنها الصوفي بلغة حسية ، لكن الصوفي ، في عين الوقت ، يجد نفسه مضطرا إلى التعبير عن هذه التجربة الفريدة التي هي شديدة الخصوصية وشديدة التفرد بلغة حسية .
هنا تكمن المفارقة : حالة الوجد حالة ذاتية ، من المحال التعبير عنها ، لكن الأمر يقتضي ، في عين الوقت ، أن يبوح الصوفية بما يشعرون به ، ولهذا فإنهم يلجئون إلى اللغة " الحسية " .
إذا كان الأمر كذلك فإن من سمات لغة " الصوفية " أنها لغة " رمزية " ، ولهذا " إذا تحدثت رابعة العدوية ( على سبيل المثال ) عن الحب الإلهى ، أو القديسة كاترين عن " الزواج الروحي " قلنا : هذا شعور جنسي مقنّع . . . وإذا قال أبو اليزيد البسطامي : إنه رأى في المنام أنه ضرب خيمته بجوار العرش ، قلنا : هذا الرجل يهذى . . . وإذا ذكر الصوفية كلمة " النكاح " . . . أو " الخمر " ، أو ما ماثل ذلك ، قلنا : هؤلاء قوم محرومون ، استولى عليهم سلطان شهوة مكبوتة . وكذلك إذا تغنوا بحب " ليلى " و " سعدي " ، وبجمال الثغر ، وسواد الشعر ، وامتشاق القوام ، قلنا : قوم استغرقوا في المادية ولذائذها " .
لهذا كثرت اتهامات الصوفية في أقوالهم في الحب الإلهى عن أحد طريقين :
إما عدم تأويل هذه الأقوال ، أو إساءة تأويلها قصدا أو عن غير قصد 2 .
على ضوء ذلك فإن الصوفي لا غنى له عن لغة الرمز والإشارة ، واصطناع أساليب التمثيل ، والتصوير ، لكي يترجم عن أحواله ويعبر عن مواجيده وأذواقه ، مهما يكن في لغة الرمز من قصور عن التعبير ، لأن موضوعات تجاربه خارجة عن نطاق الموضوعات الحسية والعقلية التي تعبر عنها اللغة الوضعية الاصطلاحية 3 .
وهذا ما عبر عنه " ستيس " في كتابه " التصوف والفلسفة " بالقول : " إنّ تعذر
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 118
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص١١٨