التعبير عن حقائق التصوف بألفاظ اللغة راجع أساسا إلى أن اللغة مصبوبة في قوالب العقل ، والصوفي بالضرورة يعيش في العالم المكاني - الزماني ، حيث قوانين المنطق .
ولما كانت تجربته تنتمى إلى عالم آخر هو عالم الواحد لا الكثير ، فهو حين ينتهى من تجربته ويريد أن ينقل مضمونها إلى الغير ، من خلال عملية تذكر لها ، تخرج الكلمات من فمه ، فيدهش حين يجد نفسه يتحدث بالمتناقضات . وهنا يتهم اللغة بالقصور ، ويعلن أن تجربته مما لا يمكن التعبير عنه " 4 .
ولهذا فإننا في قراءتنا لأصحاب التصوف ينبغي أن نميز في أقوالهم بين ظاهر اللفظ وبين باطنه . فالصوفى يتحدث عن الشهود فيصفه بأنه فيض من النور الإلهى الذي ينغمس وينكشف به سر الخليقة . ويتحدث عن الحب فيصفه بأنه نار محرقة تنمحى فيها الشخصية الفردية ويفنى فيها المحب في المحبوب . ويتحدث عن الحرية فيصفها بأنها الانطلاق من قيود العبودية إلى سعة فناء السرمدية .
ويشبّه النفس بطائر يحن أبدا إلى الرجوع إلى وطنه الأول . ويتحدث عن الخمر ، والسكر ، والساقي ، وعن المغانى والأطلال . . . وعن ليلى ، ولبنى ، وعزه ، وسلمى ، كما يتحدث عن الوصال ، والعناق ، والتلاقي ، والفراق ، والهجر ، والأنس ، والوحشة ، وغير ذلك من ألفاظ الغزل الإنساني " 5 .
لهذا فإن من المألوف أن يلجأ الصوفية إلى هذا الأسلوب الرمزى للتعبير عن حالتهم الشعورية . هذا الأسلوب الذي يجمعهم جميعا فيما بينهم من حيث الفهم المشترك لانتمائهم إلى فضاء واحد هو فضاء التصوف .
وفضلا عما سبق فإن الصوفية يلجأون إلى استخدام الأسلوب الرمزى كنوع من أنواع " التقية " حيث يستطيعون من خلال هذا الأسلوب وبواسطته التعبير عن ما يؤمنون به من جهة ، وما قد يرغبون فيه من إيصال رسائل " فكرية " إلى من يحيطون بهم من جهة أخرى ، بحيث لا يتمكن المتربصون بهم من إيقاعهم في شراك الكفر والزندقة والهرطقة ، فضلا عن الخروج على الحكام . . . لأن للصوفي ، في نهاية المطاف ، موقفا واضحا من مفهومي الحرية والعبودية ، الأمر الذي له ، بطبيعة الحال ، أبعاده السياسية .
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 119
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص١١٩