على الكد ، وتدفع الحر والقر ، ولا مطمع فيها لأحد من أهل الشر ، وتمنع من الفساد والكبر 75 .
وآدابهم في المرقعات مجانبة الشهرة منها ، فلا يضيع أكثر أوقاته بالاشتغال فيها ، وتلفيق بعضها إلى بعض ، والتجاوز في تزيينها ؛ فإن ذلك يحصّل تفويت الوقت بلا فائدة دينية ولا دنيوية ، وكان بعض المشايخ إذا رأوا الفقير تجاوز في تزيين مرقعته ولباسه ازدروه ، حتى قال بعضهم :
لما فقدوا الفائدة من بواطنهم اشتغلوا بالظواهر وتزيينها . ورأى النبي صلى اللّه عليه وسلم على بعض الوفود ثيابا رثة ، فقال : ألك مال ؟ قال : نعم ، قال : فلير عليك ، قال : فيستحب في ذلك التوسط 76 77 .
وذكر الطوسي أن جماعة دخلوا على يشر بن الحارث رحمه اللّه تعالى وعليهم المرقعات ، فقال لهم بشر : يا قوم اتقوا اللّه ولا تظهروا هذا الزي ، فإنكم تعرفون به وتكرمون له ، فسكتوا كلهم ، فقام شاب من بينهم فقال : الحمد للّه الذي جعلنا ممن يعرف به ويكرم له ، واللّه لنظهرن هذا الزي حتى يكون الدين كله للّه ، فقال له بشر : أحسنت يا غلام ، مثلك من يلبس المرقعة 78 .
وابن عربى لم يشجع ظاهرة المرقعات وإنما حصرها بأهل اللّه في موتاتهم الأربع 79 .
فإذا قنع الصوفي بلبس المرقع ، واقتصر على ما يستر العورة وتصح فيه الصلاة فقد مات الموت الأخضر ، لاخضرار عينه بالقناعة ، ونضارة وجهه بنضرة الجمال الذاتي الذي حيى به ، واستغنى عن التجمل العارض كما قيل :
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه * فكل رداء يرتديه جميل
وهو المشار إليه بقولهم :
وما الحلى إلا زينة لنقيصة * يتمم حسنا حيث ماء الحسن قصر
فأما إن كان الجمال موفرا * لحسنك لم يحتج إلى أن يؤزر
ولما رؤى الأمام الشافعي رضي اللّه عنه وعليه ثوب خلق لا قيمة له ، فعاب عليه من عاب ، فأشار إلى أن تحقق النفس بجمالها الذاتي ، منشدا :
لئن كان ثوبي فوق قيمته الفلس * فلى فيه نفس لا تقاومها نفس
فثوبك شمس تحت أنواره دجى * وثوبي ليل تحت ظلمته الشمس 80
وإنما سمى لبس المرقعات موتا أخضر