السالك ألا يزيد على الحد المشروع فيكون متبعا ، فإن ترك العمل بالاتباع أعظم أجرا من العمل بالابتداع ، فإنا بالاتباع بحكم الأصل . . .
ثم يبين المعنى المراد للأحاديث التي يستدل بها البعض على الجوع قائلا : ولما قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم ، فسدوا مجاريه بالجوع والعطش » 54 ، لم يختلف أحد من العلماء ولا من أهل اللّه أنه أراد الصوم ، والتقليل من الطعام في السحور المسنون لمن واصل ، وفي الإفطار لمن أفطر ، فإنه قال صلى اللّه عليه وسلم :
« بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه » 55 .
فلا يتعدى المريد الحدّ الذي سنه من شرع الطريق إلى اللّه به .
فلا تجع من غير صوم فإنه غير طريق مشروعة . . . ولا تلحق بأهل الغلط من أهل هذا الطريق الذين يجوعون تلامذتهم من غير صوم ، أو يصومونهم ثم يطعمونهم قبل غروب الشمس ، ذلك غلط منهم ، وجهل بطريق اللّه تعالى ، وإن كانوا يقصدون بذلك مخالفة النفس فما هذا موضعه ، وإنما ينبغي أن يخالفوها في تعيين المأكول على حد مخصوص ، ووجه معين وميزان مستقيم يعرفه أهل اللّه
أما جوع الأكابر فجوع اضطرار ، فإن الذي ينتجه الجوع قد حصل لهم ملكة لا تزول عنهم في حال جوع ولا شبع ، فلم يبق إلا التقليل ، ولكن من الحلال إما للنشاط في الطاعات ، وإما لخفة الحساب 56 .
وهكذا يؤكد ابن عربى على عدة حقائق خاصة بالجوع :
أ - انه بالنسبة للسالكين أهل الطريق جوع اختيار ، وأنه ليس مطلوبا لذاته أو لنفسه ، وإنما لما يحدثه في النفس والقلب من صفاء ورقة وضياء ؛ ولذلك يقول : إن الجوع ليس مطلوبا لك حتى تستغنى بالشبع عنه ، ولكن إن كان الجوع إذا قام بك أعطاك من الصفاء والرقة واللطافة والتحقق بالعبودية والافتقار ما يعطيه حقيقته ، فأنت طالب له ، غير مستغن عنه ، فإن أعطاك الشبع ما أعطاك الجوع من كل ما ذكرناه ، فقد استغنيت بالشبع عن الجوع ؛ إذ الجوع ليس مطلوبا لنفسه ، وإنما هو مطلوب لما ذكرناه ، فإذا وجدنا ذلك في ضده ، فلا حاجة لنا به ؛ إذ الطبع يرده ، كما أن الطبع يوجده ، ولذلك كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 103
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص١٠٣