هل طلب - رضى اللّه عنه من الناس أن يؤمنوا بكلامه كما يؤمنون بكلام الرسل ؟ قال رضى اللّه عنه في « الباب الخامس والخمسون وخمسمائة » :
ما نصه : « اعلم وفقني اللّه وإياك : أن الكتب الموضوعة لا تبرح إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها ، وفي كل زمان لا بد من وقوف أهل ذلك الزمان عليها ، ولا بد في كل زمان من وجود قطب عليه يكون مدار ذلك الزمان ، فإذا سميناه ، وعيّنّاه ، قد يكون أهل زمانه يعرفونه بالاسم والعين ، ولا يعرفون رتبته ، فإن الولاية أخفاها اللّه في خلقه ، وربما لا يكون عندهم في نفوسهم ذلك القطب بتلك المنزلة التي هو عليها في نفس الأمر ، فإذا سمعوا في كتابي هذا بذكره : أدّاهم إلى الوقوع فيه ، فينزع اللّه نور الإيمان من قلوبهم « 1 » كما قال رويم ، وأكون أنا السبب في مقت اللّه إياهم ، فتركت ذلك شفقة منى على أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وما أنا في قلوب الناس ، ولا في نفس الأمر ، ولا عند نفسي ، بمنزلة الرسول : يجب اريمان بي عليهم ، وبما جئت به ، ولا كلفني اللّه إظهار مثل هذا ، فأكون عاصيا بتركه ، ولا هذه المسألة بمنزلة قوله تعالى :
( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ )
« 2 » - وبسط الرحمة على الكافة ، أولى اختصاصها في حقنا ، وقد فعل مثل هذا القشيري في رسالته حيث ذكر أولئك الرجال في أول الرسالة ، وما ذكر فيهم الحلّاج ، للخلاف الذي وقع فيه ، حتى لا تتطرق التهمة لمن وقع ذكره من الرجال في رسالته .
ثم إنه ساق عقيدته في « 3 » التوحيد ، في صدر الرسالة ليزيل بذلك ما في نفس بعض الناس منه من سوء الطوية « 4 » .
واللّه بقول الحق وهو يهدى السبيل أ . ه .
هامش
( 1 ) لأنهم يخوضون في أعراض أهل اللّه ويؤذونهم ، وقد قال اللّه تعالى في حديثه القدسي « من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب » .
( 2 ) سورة الكهف : الآية : 29 .
( 3 ) أي القشيري ذكر عقيدته في رسالته رحمه اللّه تعالى .
( 4 ) وابن عربى رحمه اللّه تعالى كذلك في بدء كتابه « الفتوحات المكية » وكان رحمه اللّه تعالى يقرأها كثيرا ويدرسها حتى لقب ب : « ابن عربى القشيري » .