تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من ائمة الموحدين الإمام محيي الدين بن عربي — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
استصحاب العصمة « 1 » في الحال والقول والعمل ، ولا يكون هذا إلا لأهل الشهود الدائم ، والعارفين بالمواطن والمقامات والآداب والحكم ، فيحكمون نفوسهم فيمشون بهامش ربهم من حيث هو
( إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ )
« 2 » . فمن حياتهم الطيبة في الدنيا أنهم - وإن دعوا الخلق إلى اللّه - فإنهم يدعونهم بلسان غيرهم ، ويشهدون من سمع دعوتهم من المدعون ، ومن ترد الدعوة منهم ، فلا يألمون لذلك الرد ، بل يتنعمون بالقبول نعيمهم بالرد ، لا يختلف عليهم الحال ، وسبب ذلك : أن مشهودهم من الحق الأسماء الإلهية ، وشهودهم إياها نعيم لهم فمن دعا ما دعا إلا باسم إلهي ، فالاسم هو الداعي ، ومن ردّ ، أو قبل ، فما رد وما قبل إلا باسم إلهي ، فالاسم هو القابل والراد ، وهذا الشخص في حياة طيبة بهذا الشهود ، ومن غيب اللّه عن شهود هذا المقام ، فإنه يألم طعا ، ويلذ طبعا . وهو أكبر نعيم أهل اللّه وألمهم ، ولا تكون هذه الحياة الطيبة إلّا أن تكون مستصحبة ، وما ينالها إلا الصالحون من عباد اللّه ، وإن ظهر منهم ما توجيه الأمور المؤلمة في العادة ، وظهر عليهم آثار الآلام ، فالنفوس منهم في الحياة الطيبة ، لأن النفوس محلها العقل ، ليس الحسّ محلها ، فآلامهم حسية ، لا نفسية ، فالذي يراهم - يحملهم في ذلك على حالة الذي يجده من نفسه لو قام به ذلك البلاء ، وهو في نفسه غير ذلك ، فالصورة صورة بلاء ، والمعنى معنى عافية وإنعام - وما يعقلها إلّا العالمون - فهؤلاء هم الذين قال اللّه فيهم :
( الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ )
« 3 » .
هامش
( 1 ) أي الاعتصام باللّه في كل حال ، لا تفارقه مراقبة اللّه تعالى في كل طرفة عين . ( 2 ) أي الذي أمرهم به في قوله تعالى :( إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . )( لقوله تعالى :( إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ )( الآية 56 من سورة هود ) . ( 3 ) سورة الرعد : الآية 29 .