تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من ائمة الموحدين الإمام محيي الدين بن عربي — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
ولقد لقيت من هو بهذه الحال بمكة من أهل « توزر » من أرض الجزيرة . ولقيت أيضا بأشبيليه أبا العباس العرينى شيخنا ، من العلياء بغرب الأندلس ، وما لقيت في عمرى إلّا هذين من أهل هذا الذوق . وكذلك للعمل الصالح شكر الحق ، لأنه - الغفور الشكور - فسعيه مقبول ، وكلامه مسموع . ولو لم يكن في العمل الصالح إلّا إلحاق عامله بالصالحين ، وإطلاق هذا الاسم عليه ، لكان كافيا ، فإنه مطلب الأنبياء عليهم السلام ، وهم أرفع الطوائف من عباد اللّه ، والصلاح أرفع صفة لهم ، فإن اللّه أخبرنا عنهم أنهم - مع كونهم رسلا وأنبياء - سألوا اللّه أن يدخلهم برحمته في عباده الصالحين « 1 » . وذكر في أولى العزم من رسله أنهم من الصالحين في معرض الثناء عليهم « 2 » . فالصلاح يكون أخصّ وصف للرسل والأنبياء عليهم السلام ، وهم - بلا خلاف - أفع الناس منزلة ، وإن فضل بعضهم بعضا . ومن نال الصلاح من عباد اللّه فقد نال ما دونه ، فله منازل الرسل والأنبياء عليهم السلام ، وليس برسول ولا نبي ، لكن يغبطه الرسول والنبي « 3 » ، لما يناله الرسول والنبي من مشقة الرسالة والنبوة لأنها تكليف ، وبها حصلت لهم المنزلة الزلفى ، ونالها صاحب الصالح المغبوط من غير ذوق هذه المشقات ومن هنا نعرف ما مسمى « الرسول والنبي » ونعرف معنى قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلم « في قوم ينصب منابر يوم القيامة في الموقف : يخاف الناس ولا يخافون ويحزن الناس ولا يحزنون - لا يحزنهم الفزع الأكبر - ليسوا بأنبياء يغبطهم النبيون ، حيث رأوا تحصيلهم هذه المنازل مع هذه الحال ، فهم غير مسئولين من بين الخلائق لم يدخل في عملهم خلل من زمان توبتهم ، فإن دخل خلل ، فليسوا بصالحين ، فمن شرط الصلاح
هامش
( 1 ) كقول سيدنا إبراهيم عليه السلام( رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ )( سورة الصافات ، الآية : 100 ) ،( رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ )( سورة الشعراء : الآية : 83 ) .( وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ )( النمل : 19 ) . ( 2 ) قوله تعالى :( وَتِلْكَ حُجَّتُنا )( سورة الأنعام : 83 - 86 ) . ( 3 ) لأن الأنبياء سيقفون مع أممهم للشهادة عليهم ، وهؤلاء في ظل اللّه تعالى ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم .