فهذه هي النفوس الفاضلة الشريفة المتشبهة بمن هي له ، فتنظر إلى الطبيعة نظر الولد البار لأمه - مع استغنائه عنها - وفاء لحقها .
وإن الناس انقسموا في هذا الحكم أقساما ، فمنهم من عبد اللّه وفاء لحق العبودية ، فأقام نشأتها على الكمال فأعطاها خلقها .
ومنهم من عبد اللّه وفاء لحق الربوبية ، الذي تستحقه على هذا العبد ، فأقام نشأة سيادة خالقه عليه ، فأعطاها خلقها من غير نظر إلى نفسه ، كما كان الأول ، من غير نظر إلى سيادة سيده ، بما هو ظاهر كل نشأة ، لا بما هي في نفس الأمر ، لأن العبد لا تعمّل له فيما تقتضيه الأمور لأنفسها .
ومنهم من عبده لإقامة النشأتين ، فأعطاهما خلقهما ، فأقام نشأة عبوديته ، ونشأة سيادة سيده ، وذلك في وجوده وعينه إذ هو محل لظهور هذه النشأة .
ومنهم من عبد اللّه لكونه مأمورا بالعبادة ، وما عنده خبر بإقامة هذه النشآت ، فعبده يلازم العبودية ، فعبادته عن أمر إلهي ، ما هي ذاتية .
ومنهم من أقامه اللّه في العبادة الذاتية ، فلم يحضر أمره إلّا في العمل لا في العبادة .
ومنهم من عبده بهذه الوجوه كلها ، وهو أقوى القوم في العبادة والنشأة القائمة من مثل هذا العبد أتم النشآت خلقا ، فإن إقامة النشأة لا بد منها ، فإن كانت مقصودة للعبد العابد : أضيفت إليه وحمد عليها ، وإن لم تكن مقصودة للعبد العابد : أقامها الحق تعالى ، وأضيفت إلى اللّه ، وحمد عليها ، مع ظهورها من العابد ، والقصد إلى إيجادها أولى من الغفلة عنها أو الجهل بها .
فمن الناس من يشهد ما ينشئ .
ومن الناس من لا يشهد ما ينشئ ، لأنه لا يعلم ، فيتولى اللّه إنشاءه على غير علم منه « 1 » حتى يقوم صورة النشأة ، فيشهدها العابد حينئذ صادرة عنه « 2 » فيحمد اللّه حيث ظهر منه مثل هذا .
هامش
( 1 ) الضمير في « منه » راجع إلى العبد .
( 2 ) الضمير في « عنه » راجع إلى العبد أيضا .