تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من ائمة الموحدين الإمام محيي الدين بن عربي — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
وذلك أن المقامات والمواطن تختلف ، فالموطن الذي يطلب ظهور الاعتزاز باللّه ، لا ينبغي أن يظهر فيه العبد إلا بالاعتزاز باللّه ، والموطن الذي يقتضى الاعتزاز ويطلب بذاته شهود العبد قيمته ، لا ينبغي أن يظهر فيه العبد إلا بشهود قيمته . وقد احتج بعضهم في الاعتزاز بقوله تعالى :
( فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ )
« 1 » - وبأمره تعالى :
( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ )
« 2 » وهذه حجة للفريقين ، فإنه قد يفر إلى اللّه لطلب الاعتزاز باللّه وقد يفر إلى اللّه لتكون ذلته إلى اللّه وحاجته لا إلى غيره ، إذ هو مفطور على الحاجة والافتقار ، ولهذا قال بعد الأمر بالفرار إلى اللّه تعالى :
( وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ )
« 3 » تفتقرون إليه ، بل - فروا إلى اللّه - في طلب حوائجكم منه التي فطرتم عليها . وأما فرار موسى عليه السلام ، الذي علله بالخوف من فرعون وقومه ، فما كان خفه إلّا من اللّه أن يسلّطهم عليه « 4 » إذ له ذلك ، ولا يدرى ما في علم اللّه ، فكان فراره إلى ربه ليعتز به ، فوهبه ربه - حكما وعلما ، وجعله من المرسلين ، إلى من خاف منهم ، بالاعتزاز باللّه ، وأيده بالآيات البينات ، ليشد منه ما ضعف مما يطلبه حكم الطبيعة في هذه النشأة فإن لها خوارا عظيما ، لكونها ليس بينها وبين الأرواح التي لها القوة والسلطان عليها واسطة ولا حجاب ، فلازمها الخوف ملازمة الظل للشخص ، فلا يتقوى صاحب الطبيعة ، إلّا إذا كان مؤيدا بالروح ، فلا يؤثر فيه خوار ، فإن الأكثر فيه إجراء الطبيعة ، وروحانيته التي هي نفسه المدبرة له ، موجودة أيضا عن الطبيعة ، فهي أمها ، وإن كان أبوها روحا ، فللأم أثر في الابن ، فإنه في رحمها تكوّن ، وبما عندها تغذى ، فلا تتقوى النفس بأبيها إلّا إذا أيدها اللّه بروح قدس ينظر إليها فحينئذ تقوى على حكم الطبيعة ، فلا تؤثر فيها التأثير الكلى ، وإن بقي فيه أثر ، فإنه لا يمكن زواله بالكلية .
هامش
( 1 ) سورة الشعراء : الآية 21 . ( 2 ) الذاريات : الآية 50 . ( 3 ) الذاريات : الآية 51 . ( 4 ) أي خفت أن يسلطكم اللّه علىّ فتقتلونى ، إذ قدر أن بين خفت ، ولفظ الجلالة كلمة محذوفة ، وهي أن يسلط وذلك لأن الأنبياء والأولياء لا يدخل الخوف من الخلق قلوبهم أبدا .