والعلم أن الطبيعة ولود : لا عقم فيها ، ودود : متحببة لزوجها ، طلبا للولادة ، فإنها تحب الأبناء ، ولها الحنوّ العظيم على أولادها ، وبذلك الحنو تستجلبهم إليها ، فإن لها التربية فيهم ، فلا يعرفون سواها ، ولهذا لا ترى أكثر الأبناء إلّا عبيدا للطبيعة ، لا يبرحون من المحسوسات والملذوذات الطبيعية ، إلا القليل ، فإنهم ناظرون إلى أبيهم ، وهم المتروحنون ، وليس علامتهم عدم التنوع في الصور فإن التنوع في الصور ، كما هو لهم ، هو للطبيعة أيضا . وإما علامة المتروحنين على أنهم أبناء أبيهم : تنزهم عن الشهوات الطبيعية ، وأخذهم منها ما يقيمون به نشأتهم ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلم : « حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه » « 1 » مهمّتهم اللحوق بأبيهم الذي هو الروح الإلهى اليائى ، لا الأمرى ، وإما قلنا « اليائى » لقوله - ونفخت فيه من روحي - بياء الإضافة إليه ، لأنه فرق بين روح الأمر ، وبين ياء روح الإضافة ، فجعل روح الأمر لما يكون به التأييد ، وجعل روح الياء لوجود عين الروح الذي هو كلمة الحق المنفوخ في الطبيعة ، فحن حنين الولد إلى أبيه ، ليتأيد به على الطبيعة من شهود الحق الخارج عن الروح والطبيعة من حيث ما هو غنى عنهما ، لا من حيث ما هو متجل للأبناء منهما ، أو بهما ، أو فيهما : كل ذلك له ، وهذا مطلب عزيز ، فإذا ناله وتقوّى به : أتى الشهوات بحكم الامتنان عليها ، نزولا منه إليها ، فهو يحكم بها على المشتهيات ، ما تحكم عليه شهوة في المشتهيات ، فهو مشتهى الشهوة ، وغيره تحت حكم الشهوة .
فصاحب هذا المقام يحدث عين الشهوة في نفسه قضاء وإجابة لسؤالات من يشتهى من عالمه الخاص به ، فينالون بتلك الشهوة ما يشتهون ، فيتنعم الروح الحيواني ، وهي ناظرة إلى ربها غير محجوبة ، قد تجلى لها في اسمه « الخلّاق » وخلع عليها هذا الاسم ، ليتكون عنها ما تريد ، لا ما تشتهى « 2 » .
هامش
( 1 ) إشارة إلى قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن ، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه » .
رواه الإمام أحمد ، والترمذي ، وابن ماجة والنسائي . وقال الترمذي حديث صحيح .
( 2 ) كما قال سيدنا عمر رضى اللّه عنه : « إني لأتزوج النساء وما بي لهن من حاجة ، وإنما لأكثر به أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم » .