تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من ائمة الموحدين الإمام محيي الدين بن عربي — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
الأمانة التي أمّنه اللّه عليها ، فذلك هو الذي عتبه الحق ، حيث استطعمه فلان ، وكان عنده ما يفضل عن قوامه فلم يعطه إياه ، فلم يلزم من هذا الخبر أن يسعى في حق الغير ، وهو المراد في تمام الآية ، في قوله - ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون . ولما خلق اللّه الإنسان وأعطاه الجدل ، قال بعضهم : لما استطعمنى فلان وعندي ما يفضل عن قوامى ، فلو كان لهذا المستطعم أمانة عندي ما استطعت إمساكها « 1 » ، فلذلك لم يطعمه ، فقيل له ما قيل لإبليس : متى علمت أنه ليس له : أبعد ما منعته أو قبل ذلك أعطاك اللّه علم الكشف أنه ليس لهذا ؟ أو عيّن لك صاحبه ؟ أو ما علمت أنه ليس له إلا بعد حصول المنع منك ، وانصرافه عنك . فلا بد أن يقول : بعد المنع علمت ذلك ، فيقال له : بذلك أخذت ، فإن إبليس قال للحق : أمرتني بما لم ترد أن يقع منى ، فلو أردت منى السجود لآدم لسجدت . فقال اللّه له : متى علمت أنى لم أرد منك السجود ، بعد وقوع الإباية منك وذهاب زمان الأمر ، أو قبل ذلك ؟ فقال له : بعد ما وقعت الإباية علمت أنك لو أردت السجود منى لسجدت . فقال اللّه له : بذلك أخذتك « 2 » . ولم يؤاخذ أحد إلا بالجهل ، فإن أهل العلم الذين طالعهم اللّه بما يحدثه من الكوائن في خلقه قبل وقوعها ، لا يؤاخذون على ما لم يقع منهم ، مما أمروا به بالواسطة أن يقع منهم ، فإنهم في عين الغربة بالاطلاع ، وليس المراد بامتثال الأمر إلّا القربة ، ومحل القربة ليس بمحل تكليف فإذا وقع من المقربين أعمال الطاعات ، فبشهود ، فإنهم على بينه من ربهم ، فهم عاملون من حيث شهودهم
هامش
( 1 ) هذا حوار يجريه بينه وبين نفسه من شدة بخله ليعذر نفسه : ويريد الشيخ رحمه اللّه أن يقول إن الإنسان البخيل يعذر نفسه بالأعذار القبيحة ، وهو لا يدرى أنه يقيم الحجة على نفسه فيهدمها من حيث أنه يريد بقاءها اقتداء بإبليس لعنه اللّه تعالى . ( 2 ) أراد الشيخ رحمه اللّه - واللّه تعالى أعلم - أن إبليس لعنه اللّه تعالى : أراد أن يقيم الحجة على اللّه ، فأقامها على نفسه في رده وسوء أدبه مع ربه سبحانه وتعالى وقد حدث منه الشئ الكثير من هذا السوء مع اللّه تعالى .