الذي هو النفس المكلفة ، لكن من حيث أن العمل صدر من الجوارح ، أو من جارحة مخصوصة ، فإنها تجزى به تلك الجارحة ، فيقبل العمل لمن ظهر منه ، ولا يعود منه على النفس الآمرة به للجوارح شئ ، إذا كان العمل خيرا بالصورة كصلاة المرائي ، والمنافق ، وجميع ما يظهر على جوارحه من أفعال الخير الذي ولم تقصد به النفس عبادة .
وأما أعمال الشر المنهى عنها ، فإن النفس تجزى بها للقصد والجوارح لا تجزى بها ، لأنه ليس في قوتها الامتناع عما تريد النفوس بها من الحركات ، فإنها مجبورة على السمع والطاعة لها ، فإن جارت النفوس فعليها ، وللجوارح رفع الحرج ، بل لهم الخير الأتم « 1 » وإن عدلت النفوس فلها وللجوارح ، فإن النفوس ولاة الحق على هذه الجوارح ، والجوارح مأمورة مجبورة غير مختارة فيما تصرف فيه ، فهي مطيعة بكل وجه ، والنفوس ليست كذلك .
ومن النفوس من لم يقم بما قصد له ، فكان عاصيا مخالفا أمر اللّه حين أمره بالأعمال والعبادة .
فالطائع يقع منه العبادة في حالة الاضطرار والاختيار ، وإن لم يكن مطيعا من حيث الأمر بالعمل ، فإن كان مطيعا طائعا فقد فاز بوقوع ما قصد له في الخلق والأمر ، فإن اللّه الخلق والأمر تبارك اللّه رب العالمين .
وأما العاصي ، فلا تقع منه العبادة إلّا في حال الاضطرار ، لا في حال الاختيار ، ويقع منه صورة العمل ، لا العمل المشروع له ، فهو مخالف لأمر اللّه ، فلم يقم بما قصد له من الخلق ، والأمر .
هامش
( 1 ) يقصد - واللّه تعالى أعلم - أن النفس هي المرتكب الحقيقي للمعصية ، أما الجوارح فهي أدوات للنفس ، فإن عصيت النفس فعليها وعلى الجوارح ، وإن أطاعت فلها وللجوارح أيضا ، والمقصود أن النفس هي الأصل في النعيم والعذاب على السواء .
( في نفى الحرج فقط ، لأن اللّه قال( وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها . فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها )فالتقوى والفجور في النفس ، وقال في الثواب( يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً )إلى آخر الآيات . وأما الأعضاء فهي تبع في العذاب والنعيم ، لكن النفس أجبرتها على المعصية فعقابها عقاب التابع . )