الكلام على قول الله تعالى في حديثه القدسي « خلقت الأشياء من أجلك وخلقتك من أجلى »
« اعلم أيدك اللّه أن اللّه تعالى خلق جميع من خلق في مقام الذلّة الافتقار ، وفي مقام المعيّن له ، فلم يكن لأحد من خلق اللّه - من هؤلاء - ترق عن مقامه الذي خلق فيه ، إلّا الثقلين ، فإن اللّه خلقهم في مقام العزة ، وفي غير مقامهم الذي ينتهون إليه عند انقطاع أنفاسهم التي لهم في الحياة الدنيا ، فلهم الترقي إلى مقاماتهم التي تورثهم الشهود ، والنزول إلى مقاماتهم التي تورثهم الوقوف خلف الحجاب ، فهم في برزخ النجدين - إما شاكرا - فيعلو - وإما كفورا - فيسفل - قال تعالى :
( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )
ما قال : إلّا في العبادة « 1 » .
فلما جعل العبادة بأيديهم ، وجعلها المقصود منه بخلقهم ، فمنهم من قام بما قصد له ، فكان طائعا ( مطيعا لأمر اللّه الوارد عليه بالأعمال والعبادة ) فإنه قال لهم - أعبدون - كما أخبر
( إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي )
« 2 » - هذا أمر بعبادة
( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي )
« 3 » هذا أمر بعمل ، والعمل ما هو عبادة ، فالعمل صورة ، والعبادة روحها ، فالعبادة مقبولة عند اللّه على كل حال « 4 » اقترنت بعمل ، أو لم تقترن « 5 » ، والعمل بغير عبادة لا يقبل على كل حال « 6 » من حيث القاصد لوقوعه
هامش
( 1 ) كما خلق الملائكة ، ولذلك فهم غير مكلفين بهذا الأمر لأنه خلفهم في العبادة .
( 2 ) سورة الأنبياء : الآية 25 ، وإثبات الياء إحدى القراءات .
( 3 ) سورة طه عليه السلام ، الآية 14 .
( 4 ) لأن العبادة أمر إلهي والعابد استحضرها في قلبه ، فإذا ما فعلها كان الفعل صورة لما هو في قلبه .
واللّه تعالى أعلم .
( 5 ) كالزكاة مثلا لو فرضنا أن رجلا فقيرا لا مال له : نوى إن رزقه اللّه مالا أن يفعل منه شيئا يفيد المسلمين ، أو أن يتصدق أو أن يبنى مسجدا ، فهذه نية وليست عملا - فإذا ما وجد المال وعمل كانت عبادة وصورة عبادة .
( 6 ) كما لو أن رجلا يعطى الناس مالا ، ولا ينوى به الزكاة أو الصدقة فعمله غير مقبول لأن الصورة صورة عبادة ، ولكن القصد منها ليس بعبادة فإن العبادة في الأصل نية في القلب ، والعمل صورة النية .