تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من ائمة الموحدين الإمام محيي الدين بن عربي — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
فما هو من الشرع الذي لم يأذن به اللّه فإن ذلك كفر ، وافتراء على اللّه . فإن قلت : هذا الذي بدىء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من أين تقول إنه بدء الوحي ؟ ؟ قلنا : لا شك ولا خفا عند المؤمنين والأولياء أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم : خصه اللّه بالكمال في كل فضيلة ، فمن ذلك أن خصه بكمال الوحي ، وهو استيفاء أنواعه وضروبه ، وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلم « أوتيت جوامع الكلم » وبعث عامة ، فما بقي ضرب من الوحي إلا وقد نزل عليه به ، فلما كان بهذه المثابة وبدىء صلّى اللّه عليه وسلم بالرؤيا في وحيه ستة أشهر علمنا أن بدء الوحي الرؤيا وأنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة لكونها ستة أشهر وكانت نبوته ثلاثا وعشرين سنة ، فستة أشهر جزء من ستة وأربعين ، ولا يلزم أن يكون لكل نبىّ ، فقد يوحى لنبىّ لا من بدء الوحي الذي هو الرؤيا بل بضرب آخر من الوحي . فلما بدىء بالرؤيا قلنا : الرؤيا بدء الوحي بلا شك ، لأن الكمال الذي وصف به نفسه صلّى اللّه عليه وسلم في المقام أعطى أن يكون بدء الوحي ما بدىء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وكذا يكون ، فإن البدء عندنا هو ما يناسب الحسّ أولا ، ثم يرتقى إلى الأمور المجردة الخارجة عن الحسّ ، فلم تكن إلّا الرؤيا نوما كان أو يقظة . والوحي هنا : تشريع الشرائع من كونه نبيا أو رسولا كيفما كان . وهذا كله إذا كان سؤاله عن الوحي المنزل على البشر ، فإن كان سؤاله عن بدء الوحي من حيث الوحي ، أو عن بدء الوحي في حق كل صنف ممن يوحى إليه كالملائكة وغير البشر من الجنس الحيواني مثل قوله
( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ )
وغير الجنس البشرى مثل عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال ، فإنه كان يوحى ، ومثل قوله :
( وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها ) ،
ومثل قوله :
( وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها )
وهي نفس كل مكلف ، ومن ثم إلا مكلف - لقوله :
( فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها )
فدخل الملك بالتقوى في هذه الآية ، إذ لا نصيب له في الفجور ، وكذلك سائر نفوس ما عدا الإنس والجان فالإنس والجن ألهموا الفجور والتقوى - كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا - فإن أراد بدء الوحي في كل صنف وشخص ، فهو الإلهام ، فإنه لا يخلو عنه موجود ، وهو الوحي . وهذا جواب عن بدء الوحي من حيث الوحي ، ومن حيث شخص شخص .