كلامه عن قول الله تعالى فاذكروني أذكركم قال اللّه تعالى - فاذكروني أذكركم :
رأيت سائلا يسأل شخصا بوجه اللّه ، أو بحرمة اللّه عندك أعطني شيئا ، ومعي عبد صالح يقال له : « مدور » من أهل « أسبجه » ففتح الرجل صرة فيها قطع فضة صغار وكبار ، فأخذ يطلب على أصغر ما فيها من القطع ، فقال لي العبد الصالح :
أتدري على ما يطلب ؟ قلت له : قل ، قال : على قيمته عند اللّه وقدر » .
فكلما أخرج قطعة كبيرة يقول بلسان الحال : ما نساوى مثل هذا عند اللّه ، فأخرج أصغر ما وجد ، فأعطاه إياه .
إلا أن اللّه وصف نفسه بالغيرة ، وعلم من أكثر عبادة أنهم يهبون جزيل المال وأنفسه في هوى نفوسهم وأعراضهم ، فإذا أعطى أكثرهم للّه أعطى كسرة باردة ، وفلسا ، وثوبا خلقا ، وأمثال هذا هو الكثير والأغلب ، فإذا كان يوم القيامة وأحضر اللّه ما أعطى العبد من أجلة بينه وبين ، وحيث لا يراه أحد ، فأحضر ما أعطى لغير اللّه فيقول له يا عبدي ، أليست هذه نعمنى التي أنعمت بها عليك ؟ أين ما أعطيت لمن سألك بوجهي ؟ فيعين ذلك الشئ التافه الحقير ، ويقول له فأين ما أعطيت لهوى نفسك فيعين جزيل المال من ماله ، فيقول : أما استحييت منى أن تقابلنى بمثل هذا وأنت تعلم أنك ستقف بين يدي ، وسأقررك على ما كان منك ، فما أعظمها من خجلة ، فيقول له : قد غفرت لك بدعوة ذلك السائل ، لفرحه بما أعطيته ، لكني قد ربيتها لك ، وقد محقت ما أعطيته لهوى نفسك ، فإن صدقتك أخذتها وربيتها لك ، فيحضرها أمام الأشهاد وقد رجع الفلس أعظم من جبل أحد ، وما أعطى لغير اللّه قد عاد هباء منثورا . قال تعالى :
( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ )
فالعارفون باللّه :
صغيرهم كبير ، وكبيرهم لا أعظم منه ، فإنهم لا يعطون للّه إلا أنفس ما عندهم وأحقرها عندهم ، فكلهم للّه ، وكل ما عندهم للّه ، العبد وما يملكه لسيده أ . ه .