كلامه عن الخلق التقدير أزلا قال في « الباب التاسع والستين » بعد كلام كثير ص 388 :
« فالحق سبحانه يقدر الأشياء أزلا ، ولا يقال : يوجد أزلا فإنه محال من وجهين .
فإن كونه موجدا إنما هو بأن يوجد ، ولا يوجد ما هو موجود ، وإنما يوجد ما لم يكن موصوفا لنفسه بالوجود ، وهو المعدوم ، فمحال أن يتصف الموجود - الذي كان معدوما - بأنه موجود أزلا ، فإنه موجود عن أوجده .
والأزل عبارة عن نفى الأولية عن الموصوف به ،
فمن المحال أن يكون العالم أزلي الوجود ، ووجوده مستفاد من موجده ، وهو اللّه تعالى .
والوجه الآخر : من المحال - الذي يقال في « 1 » العالم - إنه موجود أزلا لأنه معقول الأزل : نفى الأولية .
والحق هو الموصوف به ، فيستحيل ، وصف وجود العالم بالأزل ، لأنه راجع إلى قولك : العالم مستفيد الوجود من اللّه غير مستفيد الوجود من اللّه « 2 » ، لأن الأولية قد انتفت عنه بكونه أزلا ، فيستحيل على العالم أن يتصف بهذا الوصف السلبي ، الذي هو الأزل .
ولا يستحيل الموصوف به - وهو الحق - أن يقال : خلق الخلق أزلا ، بمعنى قدّر ، فإن التقدير راجع إلى العلم ، وإنما يستحيل إذا كان خلق بمعنى أوجد ، فإن الفعل لا يكون أزلا ، فقد ثبت لك التقدير في الأزل ، كما ثبت لك التقدير في الزمان ، وإن الزمان متوهم لا وجود له ، وكذلك الأزل ، وصف سلبى لا وجود له ، فإنه ما هو عين اللّه ، وما ثم إلّا اللّه .
وما هو أمر وجودىّ « يكون غير الحق » ويكون الحق مظروفا له ، فيحصره من كونه ظرفا كما يحصرنا الزمان من كونه ظرفا لنا على الوجه الذي ذكرناه ، فافهم .
هامش
( 1 ) « في » بمعنى « عن » والمعنى أن هذا الذي يقال عن العالم إنه موجود أزلا : باطل لا أصل له .
( 2 ) ومعنى هذا : أي يكون الكلام مضطربا جامعا للأضداد ، وهو محال .