يذمه « 1 » وينهى عنه ، ويثنى على الكذب الذي هو ضده ، ويحرض عليه ويوجب العمل به .
وفي موطن آخر يذم الكذب وينهى عنه ويحمد الصدق ويزمر به . وهذا مقام الأدب الذي ينفع صاحبه في كل موطن ، فألزمه تتبع مواضعه ودلائله في الشرائع وفي أفعال الرسول المتأسى بها لا غير ، لا ما اختص به ، فإنه ليس بأدب مع الحق .
وأما مقام أدب الخدمة ، فهو أن يعطى ذات المخدوم - كان ما كان - ما تستحقه من حيث عينها خاصة ، وهو أن تقف مع ما تطلبه بذاتها ، فتبادر إليه من قبل أن تأمرك به ، أو تساءلك فيه ، حتى لا يظهر عليها ذلة المسألة ، ولو كان أكبر منك وسألك في أمر فهو من حيث سؤاله إياك في ذلك الأمر أن تفعله إظهار حاجة إليك ولو عادت عليك منفعته ، ولكن مقام السؤال يقتضى ذلك .
فمقام أدب الخدمة : الحضور دائما مع كل ذات مشهودة لك ، تنظر فيما تستحقه بما يعطيه الزمان ، أو المكان ، أو الحال ، فتقوم لها بذلك من غير سؤال ، ولا تنبه من أحد سوى حضورك .
بهذا مقام أدب الخدمة :
وأما مقام أدب الشريعة فهو : أن تقوم بأمرها خاصة ، لا بما تعطيك ذاتها ، إلّا إن أمرتك بذلك ، فيكون قيامك بما تعطيك ذاتها من حيث أمرها : لا غير « 2 » قال
هامش
( 1 ) كالذي يدل على عورات المسلمين - مثلا - لو قال حقا هلك المسلمون .
قال ابن حجر في الزواجر ج 2 ص 186 طبع مصطفى الحلبي عام 1370 ه « واعلم أن الكذب قد يباح وقد يجب ، والضابط - كما في الإحياء - أن كل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب فيه حرام وإن أمكن التوصل بالكذب وحده فمباح إن أبيح تحصيل ذلك المقصود ، وواجب إن وجب تحصيل ذلك ، كما لو رأى معصوما اختفى من ظالم يريد قتله ، أو إيذاءه فالكذب هنا واجب لوجوب عصمة دم المعصم ، وكذا لو سأل عن وديعة يريد أخذها فيجب إنكاره ، وإن كذب ، بل لو استحلفه لزمه الحلف ويورى ، وإلا حنث ولزمته الكفارة .
ومهما كان لا يتم مقصود حرب ، أو إصلاح ذات البين ، أو استمالة قلب المجنى عليه ، إلا بالكذب فالكذب فيه مباح » أ . ه .
( 2 ) كإن أمرتك بالوفاء ، فالتزم الأمر ، وإن أمرتك بالصلاة فاعرف عنها كيف تكون الصلاة ، وما شروطها ، وآدابها ، وما يلزمها من طهارة وغير ذلك ( هذا ما فهمته من كلامه رضى اللّه عنه وأرضاه أ . ه ) .