فمن الرجال من يترك أدب الحق الموضوع من اعتقاده أو باطنه ، ويترك أدب الحقيقة من ظاهره ، ويكون أديبا مع الحق في ظاهره ، غير أديب مع الحقيقة في ظاهره ، ويكون أديبا مع الحقيقة في باطنه ، غير أديب مع الحق في باطنه ؛ لمّا رأوا أن النجاة في ذلك ، والسعادة ، وأن عكس الأمر شقاء ، فهو يطرد ولا ينعكس .
وثم طائفة تقول : إن الأدب مع الحق الذي هو الشرع « 1 » ، أدب مع الحقيقة « 2 » فمن تركه هنا تركه هنا ، ولا يعرفون من وجه ، وذلك لأن الحق المشروع بين الأمر الذي لأجله حكم بالمنع ، فقال : ( ومن غيرته حرم الفواحش ) « 3 » - لا أنه جعلها فواحش بالتحريم ، وهذا المذهب أدخل في باب الحكمة . ومذهب المخالف أدخل في أحدية العين ، ولهذا المقام رجال ، ولمخالفه رجال .
وبالجملة ، فهو موضع حيرة : لا يخلص لهؤلاء من جميع الوجوه ، ولا لهؤلاء من جميع الوجوه ، فإن الإخبارات الإلهية أكثرها تعارض الأدلة العقلية في هذا الباب .
وأية حيرة أعظم من هذه الحيرة ، وهذا هو المتشابه الذي ينبغي أن يقول فيه من لم يطلعه اللّه على العلم به - آمنا به ، كل من عند ربنا - ولكن ما يتذكر ذلك إلا أولوا الألباب الآخذون بلب العقل ، لا بقشره .
واللّه يقول الحق وهو يهدى السبيل .
* * *
هامش
( 1 ) ما يقصده من معنى الحق .
( 2 ) وهي لب الشريعة .
( 3 ) قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لا أحد أغير من اللّه ، فلذلك حرم الفواحش ما ظهر وما بطن ، ولا أحد أحب إليه المدح من اللّه » رواه البخاري ومسلم والإمام أحمد .