هذا هو الإنصاف ، وما رأيت من تحقق بهذا ، إلا سيد واحد ، يقال له : أبو عبد اللّه بن جبير لقيته بمدينة « سبتة » وقصر كتامة .
وهو جزء من آداب الشريعة فإن أدب الشريعة هو الأم لباقي الأقسام .
والقسم الرابع : أدب الحقيقة ، وهو ترك الأدب بفنائك ، وردك ذلك كله إلى اللّه .
وللأدب حال ومقام ، وهذ باب معرفة مقامه ، فمقامه هو ما ثبت له دائما دائما ، وليس ذلك إلا الأدب مع الحق ، فإنه له الدوام في الدنيا ، والآخرة ، وما فاز به إلا أهل الفتوة من الملامية « 1 » لا غير : سلكوا فيه كل مسلك واستخرجوا كنوزه ، وحصلوا فوائده ، كما قال اللّه تعالى إنه - ما خلق السماوات - هو كل عالم علوي - والأرض - وهو كل عالم سفلى ، السماء من عالم الصلاح والأرض من عالم الفساد ومنه اشتق اسم « الأرضة » « 2 » لما تفسده في الثياب ، والورق ، والخشب ، ويسمى أيضا « السوس » و « العثّ » - وما بينهما إلا بالحق - من العالم ، فهذا الحق المخلوق به العالم ، هو الذي تتأدب معه ، فإنه سبب وجود أعيان العالم ، وبه يحكم اللّه يوم القيامة بين عباده ، وفي عباده ، وبه أنزل الشرائع ، فقال لرسوله داود :
( يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى )
« 3 » - وإن كان مخلوق بالحق ، فإنه مما بين السماء والأرض ، أو هو عين الأرض .
فمقام الأدب : العمل بالحق ، والوقوف عند الحق .
وإياك أن تتوهم من هذا القول : أن الصدق هو الحق من حيث أنك تقول قال حقا : إذا صدق في قوله ، وقال صدقا ، بل الحق حاكم على الصدق وعلى الكذب بالحسن والقبح « 4 » ، فالحق في موطن يحمد الصدق وفي موطن
هامش
( 1 ) الملامية أو الملامنية ، جماعة من أهل التصوف سموا بهذا الاسم لكثرة لومهم لأنفسهم وتخلقوا بأخلاق الذين قال اللّه فيهم( وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) .( 2 ) بفتح الألف والراء والضاد .
( 3 ) سورة ص : الآية 26 .
( 4 ) أي أن الحق هو الذي يقول لنا هذا صدق وهذا كذب ، لا كل ما تخيلنا نحن أنه صدق أو كذب يكون كذلك ، وما ذكره الشيخ رحمه اللّه فإنما يتكلم عن باب المعاريض ، كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « إن في المعاريض لمندوحة عند الكذب » يعرض بشئ وصده آخر كما عرض سيدنا إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلم في قوله : « بل فعله كبيرهم هذا » .