مقام الأدب قال : في الباب الثامن والستون ومائة :
اعلم - أيدك اللّه - إن اللّه يقول
( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ )
« 1 » فالأديب إمّعه لما عنده من السعة ، فهو مع كل مقام بحسب ذلك مقام ، ومع كل حال بحسب ذلك الحال ، ومع كل خلق ، ومع كل غرض .
فالأديب هو الجامع لمكارم الأخلاق ، والعليم بسفسافها ، لا يتصف بها ، بل هو جامع لمراتب العلوم : محمودها ومذمومها ، لأنه ما من شئ إلا والعلم به أولى من الجهل به ، عند كل عاقل .
فالأدب جماع الخير ، وهو ينقسم إلى أربعة أقسام في اصطلاح أهل اللّه .
القسم الأول : أدب الشريعة ، وهو الأدب الإلهى ، الذي يتولى اللّه تعليمه بالوحي والإلهام به أدب اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلم وبه أدبنا نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ، فهم المأدّبون المأدّدبن ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه أدبنى فأحسن تأديبى » « 2 » .
والقسم الثاني : أدب الخدمة ، وهو : ما اصطلحت عليه الملوك في خدمة خدمها ، وملك أهل اللّه هو اللّه ، فقد شرع لنا كيفية الأدب في خدمته ، وهو معاملتنا إياه فيما يختص به دون معاملة خلقه . فهو خصوصي في أدب الشريعة لأن حكم الشريعة يتعلق بما هو حق اللّه ، وبما هو حق للخلق .
والقسم الثالث : أدب الحق ، وهو الأدب مع الحق في اتباعه ، عند من يظهر عنده ويحكم به ، فترجع إليه وتقبله ولا ترده ، ولا تحملك الأنفة - إن كنت ذا كبر في السن أو المرتبة - وظهر الحق عند من هو أصغر منك سنا ، أو قدرا ، أو ظهر الحق عند معتوه تأدبت معه ، وأخذته عنه ، واعترفت بفضله عليك فيه .
هامش
( 1 ) سورة الحديد : الآية 4 .
( 2 ) رواه العسكري ، وابن السمعاني ، وثابت السرقسطى في الدلائل وصححه أبو الفضل بن ناصر ، وصاحب « زاد المسير » والترمذي في السنن .