الحسن والقبح قال رحمه اللّه تعالى في الباب التاسع والستون ومائة :
قال تعالى آمرا
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً
« 1 » - في معرض الذمّ لهم ، أي هو الذي حسّن الحسن وقبّح القبيح - وقال تعالى مخبرا
كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ
« 2 » - وذكر المذموم والمحمود ، وقال تعالى
فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
« 3 » ذلك الأوّل في الباطن ، فإنه في الإرادة ، وهذا في الظاهر ، إذ لا يعتبر إلّا بعد الوقوع .
فالتارك للأدب : أديب من حيث لا يعلم ، فإنه مع الكشف ، بحكمه ، لا مع الذي هم المحجوبون فيه ، فهو يعاين علم اللّه في جريان المقادير قبل وقوعها ، فيبادر إليها فيطلق عليه بلسان الموطن . إنه غير أديب مع الحق ، فإنه مخالف ، بل هذا هو غاية الأدب مع الحق ، ولكن أكثر الناس لا يشعرون .
ومنهم من يقام في الإدلال ، كعبد القادر الجيلى ببغداد ، سيد وقته .
ومنهم من يكون وقته في ذلك « كنت سمعه وبصره » والأدب يستدعى الغير .
وثمّ مقام يفنى الأغيار ، فيزول الأدب ، لأنه ما ثم مع من .
وأما بلسان عامة الطريق ، وخواص أكثرهم ، فإن مقام ترك الأدب مع الحقيقة هو الواقع المشروع في العموم والخصوص ، وهو مقام جليل ، لا يقف معه إلا الذكران من أهل اللّه ، وفحول أصحاب المقامات لا أصحاب الأحوال .
والقرآن كله نزل في هذا المقام ، إلا آيات مفردات قد ذكرناها في أول الباب .
وما يحار في هذا المقام إلا رجلان : مكاشف به ، ومشاهد له ، فالحقيقة تطلبه ، والحق الموضوع يطلبه ، والأدب مع أحدهما : ترك الأدب مع الآخر ، وحصلت أنت في مقام الترجيح ، وليس لك ذلك .
هامش
( 1 ) سورة النساء : الآية 78 .
( 2 ) سورة الإسراء : الآية 20 .
( 3 ) سورة الشمس : الآية 8 .