وأعطينا هذا أيضا ما لم نعط من فضله ، ولكن من مراتب الشرف :
( مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ )
« 1 » فمنهم من فضل بأن خلقه بيديه ، وأسجد له الملائكة « 2 » .
ومنهم من فضل بالكلام القديم الإلهى بارتفاع الوسائط « 3 » .
ومنهم من فضل بالخلة « 4 » .
منهم من فضل بالصفوة ، وهو إسرائيل ( يعقوب ) .
فهذه كلها صفات شرف ومجد ، لا يقال : إن خلته أشرف من كلامه ، ولا أن من كلامه أفضل من خلقه بيديه ، بل كل ذلك راجع إلى ذات واحدة لا تقبل الكثرة ولا العدد ، فهي بالنسبة إلى كذا : خالقه ، وبالنسبة إلى كذا : مالكه ، وبالنسبة إلى كذا عالمة ، إلى ما نسبت من صفات الشرف : والعين : واحدة .
استخلاف آدم عليه السلام :
قال رحمه اللّه في « الباب السابع والستون ومائة » .
« وصل في فصل : اعلم أن الكمال المطلوب الذي خلق له الإنسان إنما هو الخلافة ، فأخذها آدم عليه السلام بحكم العناية الإلهية ، وهو مقام أخص من الرسالة في الرسل ، لأنه ما كل رسول خليفة ، فإن درجة الرسالة إنما هي التبليغ خاصة . قال تعالى
( ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ ) *
« 5 » وليس له التحكم في المخالف « 6 » ، إنما له تشريع الحكم عند اللّه ، أو بما أراه اللّه خاصة .
فإذا أعطاه اللّه التحكم فيمن أرسل إليهم ، فذلك هو الاستخلاف ، والخلافة ، والرسول الخليفة ، فما كل من أرسل حكم ، فإذا أعطى السيف وأمضى الفعل : حينئذ
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 253 .
( 2 ) وهو أبو البشر آدم عليه السلام .
( 3 ) وهو سيدنا موسى عليه السلام .
( 4 ) وهو سيدنا إبراهيم عليه السلام .
( 5 ) سورة المائدة : الآية 99 .
( 6 ) من قوله تعالى :( وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ )( سورة ق : الآية 45 ) .