موقنين من انتقاكم من حال عدم إلى حال وجود ، فأنتم في الظلمة : فيكم « 1 » ، وأنتم في الوجود فيه « 2 » ، غير أن لكم انتقالات في وجوده ، وظلمتكم تستصحبكم ، لا تفارقكم أبدا « 3 »
( وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ )
« 4 » ولم يقل نجعلهم في ظلمة ، بل زوال عين النور الذي هو الوجود هو عين كونكم مظلمين ، أي تبقى أعيانكم لا نور لها ، أي لا وجود لها ، ولو لم تكن الظلمة نسبة عدمية ، وهي كون ذواتكم العينية معدمة ، لكانت الظلمة من جملة الخلق ، فكانت الظلمة تستدعى أن تكون في ظلمة ، إذا كانت أمرا وجوديا ، فهي خلوقة ، فتكون أيضا في ظلمة .
وإذا كان الخلق هنا « 5 » مصدرا : كأنه قال : قدر اللّه التقدير في ظلمة ، أي في غير موجودين - يعنى تلك الأعيان .
وانظر في قوله تعالى :
( يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ )
« 6 » ثم إن اللّه تعالى في الوجود الأخروى - إذا أراد اللّه بتبديل الأرض . كان الخلق في الظلمة ، دون الجسر « 7 » فالظلمة تصحبهم بين كل مقامين ، إذا أراد اللّه أن يوجدهم في عالم آخر ، أي ينشئهم نشأة أخرى ، لم تكن في أعيانهم ، فيعلمون بتغير الأحوال عليهم - أنهم تحت حكم قهار ، فيكونون في حال وجودهم مثل حالهم في العدم ، ولهذا نبه الحق سبحانه عقولنا بقوله :
( أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً )
« 8 » أي قدرناه في حال شيئيته المتوجه عليها أمره ، إلى شيئية أخرى ، كقوله تعالى :
( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ )
يعنى في حال عدمه
( أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ )
« 9 » -
هامش
( 1 ) لأنكم في عدم ، والعدم ظلمة .
( 2 ) لأنكم في نور الإيجاد .
( 3 ) لأنكم قابلون للعدم .
( 4 ) سورة يس الآية : 27 .
( 5 ) بسكون اللام وهو مصدر ، يعنى ليس بفعل .
( 6 ) سورة الزمر : الآية 6 .
( 7 ) الصراط الذي على متن جهنم نعوذ باللّه منها .
( 8 ) سورة مريم : الآية 67 .
( 9 ) سورة النحل : الآية 40 .