تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من ائمة الموحدين الإمام محيي الدين بن عربي — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩

السؤال الثلاثون : « خلق اللّه الخلق في ظلمة » :

الجواب : هذا مثل قوله
( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ )
« 1 » فهذه أنوار فيك ، تدرك بها الأشياء ، فما أدركت إلّا بما جعل فيك ، وما جعل فيك سوى أنت « 2 » فله تعالى مما أنت الوجود ، وأنت من ذلك الوجود المدرك به ، المعدوم ، الموجود « 3 » وما لا يتصف بالعدم ولا بالوجود « 4 » ، وهو إدراك الأفئدة مما ذكر . فالممكنات - على عدم تناهيها - في ظلمة من ذاتها وعينها ، لا نعلم عنها شيئا ما لم تكن مظهرا لوجوده ، وهو ما يستفيده الممكن منه ، وهو قوله تعالى :
( عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ )
« 5 » فخلق هنا ، بمعنى : قدر « 6 » ، قال تعالى :
( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً )
« 7 » فقدرهم ولم يكونوا مظهرا ، لكن كانوا قابلين لتقديره . فأول أثر إلهي في الخلق : التقدير قبل وجودهم ، وأن يتصفوا بكونهم مظاهر للحق . فالتقدير الإلهى في حقهم كإحضار المهندس ما يريد إبرازه ، مما يخترعه في ذهنه من الأمور . فأول أثر في تلك الصور ، إنما هو ما تصوره المهندس على غير مثال . وآية هذا المقام قوله :
( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ )
« 8 » أي انتقاكم من وجود الدنيا إلى وجود الآخرة أقرب في العلم - إن كنتم
هامش
( 1 ) سورة النحل : الآية 78 . ( 2 ) سوى أنت أي ما خلقه فيك هو منك لا من غيرك . ( 3 ) المعدوم قبل إيجاده « الوجود » بإيجاد اللّه له . ( 4 ) لا يوصف بالعدم ، لأنه موجود ، ولا بالوجود ، لأن وجوده بموجد أوجده . ( 5 ) سورة الزمر : الآية 22 . ( 6 ) قال في القاموس : التقدير : تدبير الأمر . ( 7 ) سورة الفرقان : الآية 2 . ( 8 ) سورة الرعد : الآية 2 .