وهذا كله فيمن قام في الملك بنفسه .
وأما ولاة الحق من الرسل ، فليس إلّا العدل المحض ، ولا نتصور منازعة من أولئك ، صلوات اللّه عليهم .
وأما الأئمة الذين استنابهم اللّه ، واستخلفهم بتقديم الرسل إياهم على القيام بما شرع في عباده من الأحكام ، فهي على قسمين :
قسم يعدلون بصورة حق ، ولا يتعدون ما شرع لهم .
والقسم الآخر قائلون بما شرع لهم ، غير أنهم لم يرجعوا ما دعوا إليه في المصارف التي دعاهم الحق إليها وجاروا عن الحق في ذلك ، وعلموا أنهم جائرون قاسطون « 1 » ، فهم من حيث الصورة الظاهرة : مغالبون ومنازعون ، فيمهلهم اللّه لعلهم يرجعون ، ففي زمان ذلك الإمهال : تظهر الغلبة لهم على الحق المشروع الذي يوصى من استخلفهم ، وفي وقت تكون الغلبة للحق عليهم « 2 » بإقامة منازع في مقابلته ، يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم .
وإذا ظهر هذا فقد أوجب الحق على عباده القتال معه ، والقيام في حقه ونصرته ، والأخذ على يد الجائر ، ولا يزال الأمر على ما قلناه حتى يأتي أمر اللّه ، وتنفذ الكلمة الحق ، ويتوحد الأمر ، وتعم الرحمة ، ويرجع الأمر كله إليه ، كما كان أول مرة ، وترتفع النسب « 3 » ، ويبقى بعضها بحسب المحل والدار والنشأة التي تصير فيها وإليها ، فإن للزمان حكما ، وللمكان حكما ، وللحال حكما - واللّه يقضى الحق وهو خير الفاصلين - فتزول المغالبة والمنازعة ، ويبقى الصلح والسلم في دار السلام إلى أبد لا ينقضى أمده ، بأزل لا يعينه أبده .
واللّه يقول الحق وهو يهدى السبيل .
هامش
( 1 ) القاسط : الظالم .
( 2 ) هذا بيان لكل ما قال في هذا من : الصورة ، والحق وما إلى ذلك من ألفاظ قد يفهما القارئ العادي على غير ما يقصد الشيخ رحمه اللّه تعالى .
( 3 ) بالنون المكسورة المشددة وفتح السين .