قال اللّه عز وجل :
( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) :
اعلم أنه قد تقرر عند أصحاب الأفكار ، أن للّه صفات ، وأسماء لها مراتب ، وللعبد التخلق والتحلي بها على حد مخصوص ، ونعت منصوص عليه ، وحال معيّن ، إذا تعدى ذلك العبد كان للحق منازعا ، واستحق الإقصاء والطرد عن القرب السعادى ، كما ورد في قوله تعالى :
( الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ، من نازعني واحدا منهما قصمته ) « 1 » .
وللعبد صفات وأسماء تليق به ، « 2 » وقد داخله الحق في الاتصاف بها مما تحيله العقول ، ولكن وردت به الشرائع ، ووجب الإيمان بها ، فلا يقال : كيف ؟ مع إطلاقها عليه قربة وإيمانا ، من لم يقل بها وأنكرها فقد كفر ومرق من الإسلام ، ومن تأولها كان على قدم الغرور ، فلا نعلم نسبتها إلى اللّه ، إلّا بإعلام اللّه « 3 » .
وكذلك كل اسم تحلينا به من أسمائه أيضا ، مجهول النسبة إليه عندنا إلا أن يعلمنا اللّه ، فنعلم ذلك بإعلامه .
فالكل على السواء : ما لنا ، وماله ، فلما عين ما عين له ، وتحلينا به ، سمى ذلك مغالبة منا للحق .
ولما عين ما عين لنا واتصف به سمى ذلك مغالبة من الحق « 4 » .
وموضع الجنوح إلى السلم من هذا الأمر « 5 » : أن نرد الكل إليه فما أعطانا من ذلك - ولو أعطانا الكل - قبلناه على جهة الإنعام .
هامش
( 1 ) خرجه البيهقي في كتابه « الأسماء والصفات » . ومن ألفاظه « الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري فمن نازعني منهما شيئا قصمته » .
« يقول اللّه عز وجل : العظمة إزاري ، والكبرياء ردائي ، فمن نازعني واحد منهما قذفته في جهنم ، يقول اللّه عز وجل : العز إزاري ، والكبرياء ردائي ، فمن نازعني شيئا منهما عذبته » رواه مسلم في الصحيح .
( 2 ) فمن اتصف من العبيد بالكرم مثلا ، فهو كرم ناقص لنقصان العبد ، وكذلك من اتصف بالرحمة أو أي صفة يمكن أن يتصف بها ففيها نقص ، وأما الكرم المطلق ، والرحمة المطلقة ، فهي من صفات اللّه تعالى إذ للّه الكمال المطلق الذي لا يحده حد .
( 3 ) أي تؤمن بما أعلمنا اللّه تعالى به .
( 4 ) مغالبتنا للحق : أن نتصف بصفة من صفاته سبحانه وتعالى كالكبرياء والعظمة ، من اتصف من الخلق بهما هلك مغالبة الحق لنا أن يسمح لنا بأن نتصف بصفة من صفاته . ولكن في الحدود التي تليق بنا .
( 5 ) جنح الشيخ رحمه اللّه هنا إلى شئ من التفسير الإشارى - أي مما أشارت إليه العبارة في الآية الكريمة .