واعلم أن سبب المنازعة والمغالبة أمران : الاستخلاف الذي هو الإمامة ، والخلق على الصورة « 1 » ، فلا بد للخليفة أن يظهر بكل صورة يظهر بها من استخلفه « 2 » ، فلا بد من إحاطة الخليفة بجميع الأسماء والصفات الإلهية التي يطلبها العالم « 3 » الذي ولاه عليه الحق سبحانه .
ولما اقتضى الأمر ذلك : أنزل أمرا منه إليه سماه شرعا ، بين فيه مصارف هذه الأسماء والصفات الإلهية التي لا بد للخليفة من الظهور بها ، وعهد إليه بها ، فكل نائب في العالم ، فله الظهور بجميع الأسماء .
ومن النواب من أخذ المرتبة بنفسه من غير عهد إلهي بها ، وقام بالعدل في الرعايا ، واستند إلى الحق في ذلك ، كملوك زماننا اليوم - مع الخليفة - فمنهم السمع والطاعة فيما يوافق أغراضهم ، وما لا يوافق ، فهم فيه كما هم في أصل توليتهم ابتداء « 4 » .
ومنهم من لا يعمل بمكارم الأخلاق ، ولا يمشى بالعدل في رعيته ، فذلك هو المنازع لحدود مكارم الأخلاق . ( والمغالب لجناب الحق في مغالبته رسل اللّه لفرعون صاحب موسى عليه السلام وأمثاله ) « 5 » .
والحق له الاقتدار التام ، لكن من نعوته الإمهال والحلم ، والتراخي بالمؤاخذة ، لا الإهمال « 6 » فإذا أخذ لم يفلت « 7 » .
هامش
( 1 ) أي الخلق هنا الإيجاد ، وقوله على الصورة - أراد الصورة التي قدرها اللّه سبحانه وتعالى أزلا .
( 2 ) في الأمور التي تتطلب القوة ، يظهر بالقوة ، وفي الأمور التي تتطلب الرحمة يظهر بالرحمة ، وفي الأمور التي تتطلب الكرم يظهر فيها بالكرم ، وهكذا واللّه أعلم .
( 3 ) بفتح اللام .
( 4 ) وقليل ما هم .
( 5 ) ما بين المعقوفين دليل واضح على أنه لا يقول بإيمان فرعون وأن ما قيل عنه كذب وافتراء محض .
( 6 ) من قوله صلّى اللّه عليه وسلم « إن اللّه ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته » .
( 7 ) الدنيا زمن صلح مع اللّه تعالى ، فيمكن للعبد إذا أذنب ذنبا : أن يتوب منه ما دام موجودا في الدنيا فإذا مات انتهى أمره وطويت صحفه وانتظر فصل القضاء في أيامه التي قضاها : كيف كانت ؟ ؟