وما سمى المال مالا إلّا لكون القلب مال إليه ، لما فيه من بلوغ العبد - إذا كان صالحا إلى جميع الخيرات التي يجدها عند ربه في المنقلب ، وإذا لم يكن قام الصلاح ، فلما فيه من بلوغه أغراضه به .
وأما الولد فلمّا كان لأبويه عليه ولادة : أحباه ومالا إليه ميل الفاعل إلى ما انفعل عنه ، وميل الصانع إلى مصنوعه .
فميله لحب الولد ميل ذاتي ، فإن كره ، فبأمر عارض لأخلاق ذميمة وصفات شريرة تقوم بالولد ، فبغضه عرضىّ - فيطّلع من هذا الهجّير « 1 » على سبب رحمة اللّه التي وسعت كل شئ ، فإن العالم المكلف كله مصنوعه ، وهو من جملة من ظهرت فيه صنعته ، فلا بد أن يكون بالذات محبوبا لموجده حبا بالأصالة ، وإذا وقع عليه كره ، فمن بعض أفعاله ، وأفعاله عرضية ، مع كونها عرضية ففيها ما يؤيد الأصالة ، وهو أن جميع الأفعال الظاهرة من العالم كلها للّه ، والعالم محل لظهور تلك الأفعال ، أو هي للحق كالآلة للصانع ، فغلبت الرحمة والمحبة ، وتأخر حكم الغضب ، وليس تأخره إلّا عبارة عن إزالة دوام حكمه ، وما فتن اللّه من فتن من عباده إلا بحكم ما ظهر عليهم من الدعاوى ، فيما يتصرفون فيه : أن ذلك الفعل لهم حقيقة أو كسبا .
فلو أطلعهم اللّه على اليد لإلهية الخالقة ، ورأوا أنفسهم آلات صناعية لا يمكن وقوع غير ذلك ، لما اختبرهم فما اختبرهم إلّا ليعثروا على مثل هذا العلم فيعصموا من الدعوى فيسعدوا فمنهم - من هدى اللّه - ومنهم - من حقت عليه الضلالة - فحار ولم يدر ، وهم القائلون بالكسب ، ومنهم من - حقت عليه كلمة العذاب - وهم القائلون بخلق الأفعال « 2 » .
وأما الذين هداهم اللّه فهم الذين أعطوا كل آية وردت في القرآن ، أو عن اللّه ، أو خبر نبوي : حقها ، ولم يتعدوا بها موطنها ، ولا صرفوها إلى غير وجهتها ، فما
هامش
( 1 ) الداب والشان .
( 2 ) وهذه ردود واضحة على المعتزلة وغيرهم من أصحاب الأهواء .