نحن عبيد
قال رضى اللّه عنه عند كلامه عن أكفان الموتى ص 526 ج 1 .
« المقصود من التكفين : أن يوارى الميت عن الأبصار ، ولهذا لما كفن مصعب ابن عمير - يوم أحد - في الثوب الواحد الذي كان عليه ، وكان نمرة قصيرة لا تعمه بالستر فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يغطى بها رأسه ، ويلقى على رجليه من الإذخر « 1 » حتى يستر عن الأبصار .
ولما خلق الإنسان من تراب ، كان من له حضور مع اللّه من أهل اللّه ، إذا شاهدوا التراب تذكروا ما خلقوا منه ، فينظروا في قوله تعالى :
( مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى )
« 2 » يعنى يوم البعث .
والمصلى يناجى ربه ، فإذا وقف المصلى في المناجاة ، وليس بينه وبين الأرض حائل ، وكانت الأرض مشهودة لبصره ، ذكّرته بنشأته ، وبما خلق منه ، وبإهانته وذلته ، فإن الأرض قد جعلها اللّه ذلولا « 3 » مبالغة في الذلة بهذه البنية ، قال الشاعر :
ضروبّ بنصل السيف سوق سمانها * إذا عدموا زادا فإنك عاقر
فجاء ببينة « فعول » للمبالغة في الكرم ، ولا أذل ممن يطأه الأذلاء ، ونحن نطؤها ، وجميع الخلائق ، ونحن عبيد - أي أذلاء - فربما شغل المصلى النظر في نفسه ، وما خلق منه عن مناجاة ربّه بما يقرأ من كلامه ، فيغيب عما يقول للحق وما يقوله له الحق ، وهو سوء أدب من التالي ، فكان الحائل أولى ، لما نهى المصلى أن يستقبل رجلا مثله في قبلته ، أو يصمد إلى سترته صمدا ، وليجعلها على حاجبه الأيمن أو الأيسر .
هامش
( 1 ) الإذخر : حشيش طيب الريح .
( 2 ) سورة طه : الآية 55 .
( 3 ) قال تعالى :( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا )( سورة الملك : الآية 15 ) .