والمتلفظون بهذه الشهادة الرسالية : التفصيل فيهم كالتفصيل في شهادة التوحيد فلنمش بها على ذلك الأسلوب من المراتب ، وفي الإيمان باللّه وبرسوله الإيمان بكل ما جاء به من عند اللّه ومن عنده - مما سنه وشرّعه ، ويدخل فيما سنّه الإيمان بسنة « من سن سنة حسنة » « 1 » فاستمر الشرع وحدوث العبادة المرغب فيها ، مما لا ينسخ حكما ثابتا إلى يوم القيامة « 2 » وهذا الحكم خاص بهذه الأمة « 3 » وأعنى بالحكم تسميتها سنة تشريف لهذه الأمة ، وكانت في حق غيرهم من الأمم السابقة تسمى رهبانية - قال تعالى - ورهبانية ابتدعوها - فمن قال « بدعة » في هذه الأمة مما سماها الشارع سنة فما أصاب السنة ، إلا أن يكون ما بلغه ذلك ، والاتباع أولى من الابتداع ، والفرق بين الاتباع والابتداع معقول « 4 » ، ولهذا جنح الشارع إلى تسميتها سنة ، وما سماها بدعة ، لأن الابتداع إظهار أمر على غير مثال ، هذا أصله ، ولهذا قال الحق تعالى عن نفسه
( بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) *
« 5 » - أي موجدهما على غير مثال سبق ، فلو شرع الإنسان اليوم أمرا لا أصل له في الشرع لكان ذلك إبداعا ولم يكن يسوّغ لنا الأخذ به ، فعدل الشارع عن لفظ الابتداع إلي لفظ « السنة » ، إذ كانت السنة مشروعة ، وقد شرع اللّه لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم الاقتداء بهدى الأنبياء عليهم السلام « 6 » .
واللّه يقول الحق ، وهو يهدى السبيل أ . ه .
هامش
( 1 ) قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « من سن سنة حسنة عمل بها : كان له أجره ومثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شئ ، ومن سن سنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزرها ومثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شئ » رواه ابن ماجة .
( 2 ) وهذا في فضائل الأعمال كبناء المساجد واستحداث دورات المياه ، وأماكن الوضوء وفرش البسط ، وكل الأعمال التي لا تتصل بالعبادة اتصالا مماسا .
( 3 ) فإن الأمم السابقة كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « شددوا فشدد عليهم » .
( 4 ) أي لا يحتاج إلى كثرة مناقشة ولا استدلال .
( 5 ) الآية : 117 من سورة البقرة ، والآية 101 من سورة الأنعام .
( 6 ) في قوله تعالى :( فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ )( الآية 90 من سورة الأنعام ) .