له أن يشرعه من غير نقل عن اللّه فقال في حديث ابن عمر - لما ذكر الإيمان باللّه بالصلاة والزكاة والحج والصوم ، وكل هذا جاء من عند اللّه قال في حديث ابن عمر أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه ويؤمنوا بي ، وبما جئت به « 1 » من أجل المنافق المقلد ، فإنه يقولها من غير إيمان بقلبه ولا اعتقاد .
والجاحد المنافق يقولها ، لا لقوله - مع علمه بأنه رسول اللّه - من كتابه ، لا من دليله العقلي .
واعلم أن التلفظ بشهادة الرسالة المقرونة بشهادة التوحيد ، فيه سرّ إلهي ، عرّفناه به الحق سبحانه ، وهو أن الإله الواحد الذي جاء بوصفه ونعته الشارع ، ما هو التوحيد الإلهى الذي أدركه العقل ، فإن ذلك لا يقبل اقتران الشهادة بالرسالة مع الشهادة بالتوحيد .
فهذا التوحيد من حيث ما يعلمه الشارع ما هو التوحيد من حيث ما ثبته النظر العقلي « 2 » .
وإذا كان الإله الذي دعانا الشرع إلى عبادته وتوحيده ، إنما هو في رتبة كونه إلها ، لا في ذاته ، صح أن ننعته بما نعته به من النزول ، والاستواء ، والمعية ، والتودد ، والتدبر وما أشبه ذلك من الصفات التي لا يقبلها توحيد العقل المحض ، المجرد عن الشرع . فهذا المعبود ينبغي أن تقرن شهادة الرسول برسالته ، بشهادة توحيد مرسله ، ولهذا يضاف إليه ، فيقال : « أشهد أن لا إله إلا اللّه ، أشهد أن محمدا رسول اللّه » كل يوم ثلاثين مرة في أذان الخمس الصلوات ، وفي الإقامة « 3 » .
هامش
( 1 ) ولفظ مسلم : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه ويؤمنوا بي ، وبما جئت به ، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على اللّه عز وجل » .
( 2 ) الاستدلال بالنظر العقلي يضطر صاحبه إلى أن ينفى أولا ، ثم يقيم الدليل على نفى النفي ، ويظل يتأرجح بين النفي والإثبات حتى يثبت ما يريد أن يثبته ، وهو إقامة الدليل على وحدانية اللّه تعالى . وأما الشارع صلّى اللّه عليه وسلم ، فإنه ما طلب من الناس هذا ، وإنما اضطر إليه العلماء - فيما بعد - ردا لتيارات الملاحدة .
( 3 ) شهادة أن لا إله إلا اللّه مرتين في خمس صلوات بعشر ، وشهادة أن محمدا رسول اللّه مرتين في خمس صلوات بعشر . فالمجموع عشرون ومرتان في الإقامة بعشر .