تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من ائمة الموحدين الإمام محيي الدين بن عربي — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
وما من دليل عقلي إلّا ويقبل الدخل والشبهة ، ولهذا اختلف العقلاء « 1 » ، فكل واحد من المخالفين - عنده دليل مخالفة شبهة لمخالفة ، لكونه خالف دليل هذا الآخر ، فعين أدلتهم كلهم هي عين شبهاتهم فأين الحق ؟ ! وأين الثقة ؟ ! . وأصل الفساد إنما وقع من حيث حكموا الخلق على الحق الذي أوجدهم . ثم قال - وسلام على المرسلين - وما جاءت الرسل عليهم السلام إلّا بما أحالته هذه الأدلة النظرية ، وبما أثبته قصد فهم في نظرهم ، وأكذبهم في نظرهم ، فوقعت الحيرة عن هؤلاء ، فإذا سلموا له ما قاله عن نفسه على ألسنة رسله ، وانقادوا إليهم ، فإن انقيادهم إليهم ينزلهم منزلتهم « 2 » ، فإنهم ما انقادوا إليهم من حيث أعيانهم ، فإنهم أمثالهم « 3 » ، وإنما انقادوا إلى الذي جاءوا من عنده ، ونقلوا عنه ما أخبر به عن نفسه ، على ما يعلم نفسه ، لا على تأويل من وصل إليه ذلك ، فلا يعلم مراد اللّه فيه ، إلّا بإعلام اللّه ، فيقف الناظر موقف التسليم لما ورد ، مع فهمه فيه أنه على موضوع ما هو في ذلك اللسان الذي جاء به هذا الرسول ، لا بد من ذلك ، لأنه ما جاء به بهذا اللسان إلا لتعرف أنه على حقيقة ما وضع له ذلك اللفظ في ذلك اللسان ولكن نجهل النسبة ، فنسلم إليه علم النسبة ، مع عقلنا الدلالة بالوضع الاصطلاحي في ذلك اللحن الخاص « 4 » ، فننقاد إليه كما انقاد المرسلون ، ولهذا قال - على المرسلين - أي هو واجب عليهم الانقياد بقوله - وسلام - فنكون أمثالهم ، ثم قال :
( وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) *
أي عواقب الثناء إذ كل ما جاءوا به إنما قصدوا به الثناء على اللّه ، فعواقب الثناء على اللّه بما نزه نفسه عنه ، إن الثناء على اللّه في ذلك كونه تعالى أنطقهم به ، وأوجد ذلك في نفوسهم ، لأن الذي قالوا يكون حقا ولا بد ولهذا قال - والحمد - فإن الحمد : العاقب فعواقب الثناء ترجع إلى اللّه ، وعاقب الأمر ، آخره ، ولا آخر لما قالوه إلا كونه موجودا عنه تعالى فيهم ، فإنه - رب العالمين - من حيث ثبوته في ربوبيته ، بما يستحقه الرب من النعوت المقدسة ، وهو
هامش
( 1 ) الذين يستعملون العقل ، والاستدلالات العقلية ، فكل دليل ورد عن طريق العقل قابل للنقض لأنه استدلال ناقص ، وأما الذي لا يقبل النقض فهو كلام ا تعالى وكلام رسوله صلّى اللّه عليه وسلم . ( 2 ، 3 ) لأنهم بشر وخلق . ( 4 ) من قولهم : « لحن له ، قال له قولا يعرفه هو فقط » .
من ائمة الموحدين الإمام محيي الدين بن عربي — صفحة 104 | عبد الرحمن حسن محمود / سعد حسن