تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من ائمة الموحدين الإمام محيي الدين بن عربي — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
( وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ )
« 1 » مع إقرارهم أن التوراة نزلت على موسى عليه السلام من عند اللّه ، فكذبوا على اللّه ، فاسودت وجوههم ، أي ذواتهم « 2 » ، فلا نور لهم يكشفون به الأشياء ، بل هم عمى فهم لا يبصرون . وأما قوله :
( سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ )
« 3 » فهذه آية ما نزل عند العارفين - أشكل منها ، لما فيها من التداخل ، فدخل تحت قوله تعالى في تنزيه نفسه - عما يصفون - ما يصفه به عباده ، مما تعطيهم أدلتهم - في زعمهم - بالنظر الفكري ، كل على حياله ، وكل واحد يدعى التنزيه لخالقه في ذلك . فأما الفيلسوف ، فنفى عنه العلم بمفردات العالم الواقعة في الحسّ منهم ، فلا يعلم - عندهم - أن زيد بن عمرو حرك أصبعه عند الزوال مثلا ، ولا أن عليه في هذا الوقت ثوبا معينا ، لكن يعلم أن في العالم من هو بهذه الصفة مطلقا ، من غير تعيين ، لأن حصول هذا العلم على التعيين إنما هو للحسّ ، واللّه منزه عن الحواس ، فقد اندرج - عندهم - هذا العلم بهذا الجزء في العلم الكلى ، الذي هو : أن في العالم من هو بهذه المثابة ، وقد حصل المقصود - عندهم - وفاتهم بذلك علم كبير ، فإن صاحب هذه الحركة المعينة من الشخص المعين : يجوز أن تقوم بغيره ، فبأي شئ تقوم الحجة للّه على هذا العبد ، حتى قرره عليها في الآخرة ، أو حرمه ما ينبغي له في الدنيا ، أو لم يتحرك بتلك الحركة ، وإن كان من أصل صاحب هذا النظر : إنكار الآخرة المحسوسة « 4 » ، وإنكار الوهب في الدنيا والجزاء لصاحب هذه الحركة على التعيين ، وإن من مذهبه : أن تلك الحركة هي المانعة لذاتها أن يحصل لهذا المتحرك بها ما تمنعها حقيقة تلك الحركة ، فهو بان على أصل فاسد ، وهو أن اللّه
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : الآية 91 . ( 2 ) فإن اللّه سبحانه وتعالى ذكر الجزء وأراد الكل . ( 3 ) سورة الصافات : 180 : 182 . ( 4 ) أي أنهم يقولون هذا القول ، مع أنهم ينكرون الآخرة والثواب والعقاب .