يشرح ابن القيم في الجزء الثالث ص 505 قول الإمام الهروي في التوحيد الثالث ، الذي قال فيه : « هو توحيد اختصه الحق تعالى لنفسه . . واستحقه لقدره . . والذي يشار إليه على ألسن المشيرين ، أنه إسقاط الحدث وإثبات القدم » فيقول في ص 516 « فإن أريد : إسقاطه من الوجود ، فمكابرة للعيان ، وإن أريد : إسقاطه من الشهود ، فليس ذلك بمأمور به . . . فإساقط الحدث كلام لا حاصل له ، إذ لا كمال فيه . . . بل القرآن - من أوله إلى آخره - يدل على خلافه » أه .
ليس أدل على عدم فهم ابن القيم لمراد الإمام الهروي من هذا الشرح ، ولو تفطن لقول الإمام الهروي في أول الباب « توحيد اختصه الحق تعالى لنفسه واستحقه لقدره » لعلم أنه التوحيد الذي يشير إليه المشيرون بقوله تعالى
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
وإلى قوله صلى اللّه عليه وسلم « أصدق ما قالت العرب ، قول لبيد : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » وقوله صلى اللّه عليه وسلم « كان اللّه ولا شيء معه » وهو التوحيد الذي يعلم الحق فيه ذاته على ما هي عليه ، قال صلى اللّه عليه وسلم « سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » لا ما ذهب إليه ابن القيم ، من أن إسقاط الحدث لا حاصل له ، إذ لا كمال فيه ، ونسي أنه التوحيد الذي شرحه في الجزء الأول ص 148 وكرر ذلك مرارا ويقول عنه : « وحقيقته أن يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل » .
فانظر كيف ينفي ابن القيم ما قد أثبته وجعله من مراتب المحققين الكاملين .
سوء البيان عند ابن القيم :
انظر في شرح ابن القيم لكلام الإمام الهروي عن الغربة ، كيف يشبه الرجل الصالح في زمان فاسد بين قوم فاسدين ، أو عالم بين جاهلين ، أو صدّيق بين قوم منافقين ، فيقول ابن القيم في الجزء الثالث في ص 203 ، « فمثل هؤلاء بين أولئك ، كمثل الطير الغريب بين الطيور ، والكلب الغريب بين الكلاب . » أه . فتأمل هذه البلاغة والأدب في التشبيه .
هذا غيض من فيض ، ولو تتبع المرء أخطاء ابن القيم في كتابه « مدارج السالكين » لما بقي منه شيء يذكر ، ولا شك أن القارئ عندما يقف على معنى « المنزل » في هذا الكتاب ، ويمعن النظر في قول الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي في الجزء الثاني من الفتوحات المكية ص 280 ، في العروج الروحي للسالكين حيث يقول : « ثم قيل له ( أي للسالك المتشرع ) ارق ، فرقي في فلك المنازل ، فتلقاه من هناك من الملائكة والأرواح الكوكبية ما يزيد على ألف ، وعشرات من الحضرات تسكنها هذه الأرواح ، فعاين منازل السائرين إلى اللّه تعالى بالأعمال المشروعة ، وقد ذكر من ذلك