الهروي في جزء له ، سماه « منازل السائرين » يحتوي على مائة مقام ، كل مقام يحتوي على عشرة مقامات ، وهي المنازل ، وأما نحن فذكرنا من هذه المنازل ، في كتاب لنا سميناه « مناهج الارتقاء » « 1 » يحتوي على ثلاثمائة مقام ، كل مقام يحتوي على عشرة منازل ، ففيه ثلاثة آلاف منزل » أه . وقد ذكر الشيخ ابن العربي في كتابه الفتوحات المكية - من الباب ( 270 ) في الجزء الثاني ، إلى الباب ( 383 ) في الجزء الثالث - بعض المنازل ، ولم يخطئ الإمام الهروي في شيء مما جاء في كتابه ، بل أقرها ، وكل كتب ما عاين من هذه المنازل ، فكم منزل من هذه المنازل عاين ابن القيم في هذا الترقي وفي هذا المشهد ؟ ومن أي مقام كان شرحه للمنازل التي أتى بها الإمام الهروي ، وصحح له عباراته ؟
عندما يقف القارئ على هذه المعاني ، يتضح له أن « كتاب مدارج السالكين » لا علاقة له لا من قريب أو بعيد ب « منازل السائرين » وسيقف على أن ابن القيم كان في تسوره لشرح ما جاء في كتاب الإمام الهروي كلابس ثوبي زور ، فلو كتب ابن القيم كتابه وسماه - ولم يتعرض لذكر كتاب « منازل السائرين » - لما كان عليه من لوم ، فإنه جهده واجتهاده ، ولكن عندما يطلق على وارث محمدي من مقام جوامع الكلم ، وإمام أوتي من الحكمة الخير الكثير ، مثل الإمام الهروي ، عندما يطلق ابن القيم عليه أنه يخبط ، وأنه جاء بما يرغب عنه الكمل من سادات السالكين والواصلين إلى اللّه ، وأن ظاهر كلامه من أبطل الباطل ، وأن لفظه قلق وفيه سوء تعبير ، وأنه أقبح من شوكة في العين ، إلى أمثال هذه العبارات مما جاء به في كتابه ، هنالك يحق أن يقال له : قف لا تعد قدرك ، فإنه ليس لمن جاء بمثل ما جئت به ، أن يدعي ما ليس له ، وإنه طار إلى غير وكره ، وعدا طوره ، وخسر أجره .
أتمنى أن يكون هذا البحث والبيان منهجا للدارسين وطالبي معرفة الحق ، والتحقيق العلمي ، وأرجو اللّه تعالى أن يبصر به قوما يعرفون الحق بالرجال ، ويقلدون أئمتهم في الحق والباطل ، أرجو اللّه تعالى أن يوفقهم للقراءة حتى يعرفوا الرجال بالحق ، فإن الحق أحق أن يتبع .
واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل .
هامش
( 1 ) ذكر الشيخ الأكبر هذا الكتاب ، في كتابه التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية ، وفي كتابه مواقع النجوم ، ولا توجد نسخة مخطوطة من هذا الكتاب ، يطمئن إلى نسبتها إلى الشيخ رضي اللّه عنه ، فيعتبر هذا الكتاب من الكتب المفقودة .